Search result
للأفلام الوثائقية دور هام في تسجيل الأحداث والوقائع التي تحدث من حولنا، وكشف ملابساتها من خلال عرض الأدلة والشهادات التي ارتبطت بها من قريب أو بعيد، سعيا لكشف الحقيقة التي صنعت هذه الأحداث.
وهي بذلك تشكل أداة خطيرة في تشكيل الوعي لدى الإنسان. لذا فإن الحرص في انتقاء االوثائقيات التي تعرض على الناس أمر مهم جدا، خصوصا أننا ما زلنا نعتمد فيما نعرض منها على إنتاج القنوات الغربية والأمريكية، لما تتمتع به من خبرة وحرية كافيتين لإنتاج وثائقيات غنية بالخفايا والحقائق المتكشفة. ولا شك أن هذه الوثائقيات تمرر من خلالها وجهة نظر صانعيها، والتي قد لا تتفق في كثير من الأحيان مع قناعاتنا، وربما مع الحقيقة ذاتها؛ لأنها تهدف أساسا إلى خدمة مصالح من أنتجها.
ما دفعني إلى هذا القول الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة يوم الثلاثاء الماضي، وكان بعنوان: "ملابسات اغتيال المبحوح" وهو ترجمـة لوثائقـي أعدتـه مراسلة برنامـج بانورامـا في الـ"بـي بـي سـي" جين كوربن عنوانه: (جوازات سفر للقتل Passports to Kill). يروي الفيلم سيناريو عملية اغتيال الشهيد "محمود المبحوح"، القيادي في حركة حماس، الذي عُثر على جثته في أحد فنادق دبي في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي.
لم يأت الفيلم بجديد فيما يتعلق بتفاصيل جريمة الاغتيال ذاتها؛ لأن ما روته جين كوربن فيه لم يضف إلى النتائج التي توصلت إليها شرطة دبي في تحقيقاتها.
لكن اللافت في الأمر هو أن جين في فيلمها كانت من طرف خفي تشير إلى أنه استحق القتل؛ لأنه، من وجهة نظرها، وإن لم تقل بالكلام، مجرم قتل مع سبق الإصرار والترصد الشاب المسالم إيلان سعدون. فالمبحوح استغل ثقة الجندي الشاب الذي قبل عرضه في أن يقله بسيارته. وهو في ذلك الموقف لم يكن في ميدان القتال.
وقد حرصت كوربن من بداية الفيلم وحتى نهايته على اختيار كلماتها والمشاهد التي تعرضها بعناية تخدم قناعتها.
تقول جين في سياق الفيلم: ولكن من يريد أن يقتل محمود المبحوح؟ ولماذا؟
تجيب فتقول: قد تكون الإجابة هنا في جنوب "إسرائيل"، فهنا قتل شخص مع "سبق الإصرار والترصد"... قبل 21 عاما كان "جندي إسرائيلي شاب" يدعى إيلان سعدون ينتظر حافلة في هذا الموقع... حين توقفت سيارة بداخلها ثلاثة رجال "عرضوا عليه الركوب بسيارتهم، وعندما ركب السيارة قتله محمود المبحوح". هكذا اختصرت جين سبب اغتيال المبحوح بـدافع "الثأر" من مجرم قتل (مع سبق الإصرار والترصد)، وهو مصطلح يستخدم لوصف الجرائم والمجرمين.
بعدها تنتقل جين إلى منزل إيلان، حيث تبدأ كاميرا الفيلم بتصوير الجدار الذي غطته صور إيلان، والتي يظهر فيها شابا مقبلا على الحياة، ثم تظهر أخت إيلان وهي تقول: على مدى 21 سنة كم بقينا نعاني... وكانت معاناة أمي أكبر معاناة، وكلما تذكرت أخي اعتصرني الألم. (وهنا تقترب الكاميرا من وجهها لتصور بكاءها بحرقة ويرافق المشهد موسيقى حزينة)
تقفز بعد ذلك إلى المقابلة التي أجرتها قناة الجزيرة مع المبحوح قبل اغتياله، وتختار عرض الجزء الذي يصف فيه المبحوح كيف كان دم الجندي إيلان يخرج مثل النافورة بعدما قتله وهو يصرخ مناديا والدته، لتعمق إحساس المشاهد ببشاعة ما فعله المبحوح، وتزيد اقتناعه بأنه يستحق القتل. ثم علقت على ذلك بقولها: لكي أعرف حقا من هذا الذي اعترف بأنه قاتل..." لتؤكد مرة أخرى صفة أنه قاتل باعترافه هو.
واستكمالا للأسباب التي أدت الى اغتيال المبحوح، قامت جين بإجراء مقابلة مع رامي إقري وهو مسؤول إسرائيلي كبير في الموساد، كما وصفه الفيلم. وفيها يؤكد لجين بأنه ما عليها إلا أن تنظر إلى أي من شحنات الأسلحة التي تنقل إلى قطاع غزة (والتي يبتاعها المبحوح لحساب حماس من إيران، كما ادعى) وتفكر في آلاف القذائف التي سقطت على المدن الإسرائيلية لتعرف بأن المبحوح مسؤول عن بعض ذلك -يرافق كلمات المسؤول صورة لصاروخ يسقط على مدينة إسرائيلية- تليها صورة أخرى لدماء على الأرض، ورجلي إسعاف يجمعان أشلاء في كيس.
وحرصت جين على أن تذكر، وإن كان على لسان الإسرائيليين، بأن عملاء الموساد أبطال وحماة لدولتهم "الصغيرة في منطقة معادية لهم" وأن سياسة الاغتيالات لم تبدأ إلا بعد حادثة قتل الرياضيين الإسرائيليين في الأولمبياد عام 72.
لم تستقصِ جين الدوافع التي أدت بالمبحوح إلى الالتحاق بالمقاومة، ولا الأسباب التي دفعته لقتل جندي إسرائيلي.
وفي الوقت الذي أعطت فيه فرصة للإسرائيليين للتعليق على عملية الاغتيال، لم تعطِ نفس الفرصة للفلسطينيين من باب الرأي والرأي الآخر.
حتى المشهد الذي تلتقي فيه بعائلة المبحوح في غزة كان مشهدا هزيلا خاليا من العواطف. وعندما سألت جين والدة المبحوح عمن تعتقد أنه اغتال ابنها، وأجابت بأنه الموساد، لم تسألها أن تشرح الأسباب التي دفعتها لهذا الاعتقاد.
بل إنها لم تأت على ذكر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره الوجه الآخر من ملابسات عملية الاغتيال، وصورت أن الصراع القائم بين "إسرائيل" وحماس هو نزاع ليس إلا.
عرضت صور الصواريخ التي سقطت على مدن "إسرائيل"، لكنها لم تعرض صور القنابل الفوسفورية التي أحرقت أجساد الأطفال والنساء والشيوخ في غزة.
حرصت على إظهار المبحوح بصورة القاتل، وعملاء الموساد بأنهم الأبطال، ولم تجرؤ على الإشارة ولو من بعيد إلى إرهاب دولة سلبت شعبا وطنه، وشردته من أرضه، وقتلت من قتلت من أبنائه بدم بارد.
كان فيلما صهيونيا بامتياز.
لكنني يمكن أن أتفهم السبب الذي يجعل جين كوربين، كغيرها من الغربيين والأمريكيين، تتبنى الرواية الإسرائيلية في كل حدث. لكنني لا أفهم كيف غاب هذا الأمر عن قناة الجزيرة التي تعودت أن تلتزم الحياد والموضوعية في كل ما تعرضه .
إن شعار "الرأي والرأي الآخر" الذي رفعته الجزيرة والتزمت به منذ تأسيسها غاب عند عرضها لهذا الفيلم.
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat