Search result
سيادة الرئيس
تابعت خطابك رغم علمي المسبق بأنه لن يحمل لنا جديدا. وأسمح لي أن أقول أن كلمات خطبتك العصماء ذكرتني بشعر للشاعر نزار قباني : "يسمعني حين يراقصني كلمات ليست كالكلمات" وكلماتك يا سيادة الرئيس فعلا ليست كالكلمات وقد راقصتنا على إيقاعها من أول الخطاب وحتى نهايته. ولكننا قرأناها هنا نحن البسطاء في العالم الإسلامي أنها خلاصة تجربة مريرة لأمريكا مع عالمنا الإسلامي لن تتوقف مرارتها حتى تفهموا أن لنا حقا ولن تتوقف رقصتنا حتى نسترد هذا الحق.
ولأنه لا يليق وقد وجهت خطابين للعالم الإسلامي ومن قبلهما خصصتنا بفقرة مطولة في خطاب التنصيب، أقول أنه لا يليق بعد كل ذلك ألا يرد عليك واحد من هذا العالم الإسلامي بخطاب موجه لك شخصيا لذا قررت أن أخط لك هذه الرسالة، وإن كنت أعلم سلفا أنني لن أضاهيك في قدرتك الخطابية البليغة.
يا سيادة الرئيس
إن "الصلح خير" وجزاك الله خيرا أن مددت يد الود والصلح لنا ولكن إسمح لي أن أقول لك أنك لم تراعي أدب الصلح في خطابك.
فقد غاب عنك أن أول ما يقتضيه طلب المصالحة التواضع وقد حاولت أن تبدو متواضعا ولكنه كان تواضعا متكلفا سرعان ما كان يتبدد عندما تبدأ بالتبشير لعصر جديد وعالم أفضل.
وثاني ما يقتضيه طلب المصالحة المبادرة بصيغة جديدة لبدء الحوار. فطلب الصلح يقتضي أن تدخل الى الآخر وتعتذر عن كل ما بدر منك وأدى الى النزاع بينكما. ثم يليه سؤاله عن مطالبه التي يرضاها ليقبل اليد الممدودة للصلح ثم يبدأ التفاوض. ولكنك في مجمل خطابك حاضرت عما يؤدى الى الصلح مثلما تراه أنت مع أنك أنت من جئت طالبا هذا الصلح.
ولأنني مسلمة وديننا دين التسامح فسأتجاوز مخالفتك لأدب الصلح لأنك كنت أنت من بادر بطلبه ونحن نقدر لك هذه المبادرة.
يا سيادة الرئيس
إسمح لي في البداية أن أوضح حقيقة مهمة في ثقافتنا وهي أن كل الخطابات، ولو كانت ببلاغة خطابك فلا شك في أنك رجل مفوه، كل الخطابات التي تبقى خطابات لا توصف الا "ضحكا على الذقون" حتى تترجم أفعالا. وحين يختلف الفعل عن القول أقول كما يقول إخواننا في مصر "أسمع كلامك أصدقك أشوف أفعالك أستعجب".
ثم أنني وددت يا سيادة الرئيس ألا تأخذ دور الواعظ المعلم لأمة كانت لها حضارة علمت العالم في زمن من الأزمان كما إعترفت أنت في خطابك. ولن تكون أمريكا قدوة للعقلاء من الأمة ولن تلاقي القيم الأمريكية سوقا رائجة بين الحكماء من الأمة مهما روجت لها من قاهرة المعز من داخل صرح علمي كجامعة القاهرة.
ومع ذلك يا سيادة الرئيس ولأنني مسلمة وديننا دين التسامح فسأتجاوز عن ذلك ولن أدير ظهري لما تقول. وكما سمعتك فلتسمع ردي الذي يشاركني فيه الكثيرون في العالم الإسلامي من مشرقه الى مغربه.
.............. وسأبدأ من فلسطين فهي بالنسبة للعالم الإسلامي البداية وهي النهاية.
أمرك غريب يا سيادة الرئيس فقد جئت تخطب ودنا كما تقول ولكنك منذ اللحظة الأولى التي بدأت تتحدث فيها عن فلسطين :
•1- بدأت بداية غير موفقة عندما لم تسمي "قضية فلسطين" بمسماها الصحيح وسطحتها لتصبح كما سميتها "الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين والعالم العربي". ولو أنك نظرت الى خرائط العالم منذ زمن بعيد لوجدت فلسطين جزءا ثابتا منها ولكن إسرائيل لم تظهر على خرائط العالم الا منذ واحد وستين عاما تقريبا.
•2- بدأت في وصف معاناة اليهود والحديث عن حقهم في وطن خاص بهم وكان الأولى بك وأنت تتحدث إلينا أن تبدي تفهمك لمعاناتنا نحن كشعب طرد من أرضه ومر من حرب الى أخرى ومن مجزرة الى أخرى وأنت كما أعلم قاريء جيد للتاريخ. أما حديثك المؤثر عن معاناة اليهود فهو حديث لا يخص العرب ولا المسلمين فلسنا نحن من إضطهدهم ولسنا نحن من نصب لهم المحارق إن سلمت معك أن المحرقة حدث حقيقي. ولا أفهم ما دخل معاناتهم الماضية في حقهم في أن ينظروا الى خارطة العالم ليختاروا البقعة التي يشاؤون وطنا خاصا بهم.
•3- ولأنك بدأت بالحديث عن معاناة اليهود فهذا معناه إنحيازك المسبق الى طرف من أطراف الصراع الذي إلتزمت أن تكون حكما فيه. لقد أعلنت وبدون تردد وبكلمات قاطعة أن "متانة الأواصر الرابطة بين أميركا وإسرائيل لا يمكن قطعها أبدا وهي تستند إلى علاقات ثقافية وتاريخية."
هذا يعني أنك لن تكون حكما عادلا لا في نظرتك الى تاريخ قضية فلسطين ولا في نظرتك الى معاناة الفلسطينيين فهواك إسرائيلي.
•4- أشكر لك تفهمك لمعاناة الشعب الفلسطيني ولكن جانبك الصواب في فهم مطلبهم عندما قزمته الى مجرد " تطلعات مشروعة ". فالفلسطينيون (مسلميهم ومسيحييهم) لم يكونوا يوما في سعي لإقامة وطن خاص بهم وإنما كانوا طوال 60 عاما في سعي لإسترداد وطن مسلوب فقدوا جزءا منه عام 48 وفقدوا الجزء الآخر عام 67.
•5- رغم عتابك القاسي للفلسطينيين على عنفهم لـ"إطلاق صواريخ على الأطفال النيام أو تفجير النساء المسنات في حافلة"، لم أسمعك تذكر شيئا عن جرائم إسرائيل في غزة، ولا في لبنان هذا إذا إمتنعت عن إستذكار التاريخ الأبعد والذي يبدأ من عام 48.
•6- إنك تقول للفلسطينيين أن ما حدث قد حدث وأن إسرائيل أصبحت أمرا واقعا يجب أخذه في الحسبان عندما يطالبون بحل لمشكلتهم، وأن عليهم أن يتنازلوا عن حقهم في كامل وطنهم وأن يقبلوا بحل الدولتين على ضوء خارطة الطريق. وأنت هنا لم تتغير فيما تعرض عن الرئيس السابق بوش ولكن بأسلوب حاولت أن تجعله مهذبا.
•7- من قال لك، وأنت آت طالبا للصلح بيننا، أننا نقبل بخارطة الطريق حلا لقضيتنا؟ هل أجهدت نفسك لطرح هذا السؤال؟ فلماذا لا تكون أوسلو ولماذا لا يكون قرار 242 ولماذا لا يكون غيرها من عروض السلام التي أتحفتمونا بها على طول 61 عاما من المفاوضات؟ ولماذا لا يخطر ببالك أن لدينا حلا نرى فيه تحقيقا للعدل ويسترد ما نراه حقا لنا؟
•8- لقد أشعلتم حربا ضروسا أقحمتم بها العالم كله عندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر إنتقاما وفرضتم على العالم مصطلحاتكم ومفاهيمكم ومع ذلك لم أسمع منك إعتذارا عن سياسة سلفكم بوش، والندم والإعتراف بالحقيقة أول خطوة على الطريق الصحيح.
•9- أستغرب من قولك "إن المقاومة عبر العنف والقتل أسلوب خاطئ ولا يؤدي إلى النجاح". إذا إسمح لي يا سيادة الرئيس أن أذكرك بالمقاومة الفرنسية والبريطانية ضد الإحتلال الألماني. ولولا المقاومة الجزائرية المسلحة للإحتلال الفرنسي لما إستعاد الجزائريون وطنهم لأن المفاوضات يا سيادة الرئيس وحدها لا تسترد حقا مسلوبا.
•10- أخيرا، في "قضية فلسطين" إحذر يا سيادة الرئيس فإن الفهم الخاطيء لطبيعة الأمور أو التجاهل المطلق المقصود لحقوقنا لن يزيد المنطقة الا توترا وستبقى يدك ممدوة للصلح دون أن تجد من يبادلك هذا الهدف إلا من لا يملكون التحدث بإسمنا جميعا.
.............
وأما قضية "التطرف العنيف" فهذا حديث ذو شجون ولو سألتني قبل إلقاء خطابك لما شجعتك على الخوض فيه حتى لا تحرك جروحا عميقة وذكريات مؤلمة عندنا.
ولكنك طالما خضت فيه وأقمت الحجة علينا بآيات من القرآن الكريم فليكن. كانت حجتك وحجة من سبقك في حربكم ضد "الإرهاب" هو 11 سبتمبر وكأن العنف الذي مارسته أمريكا ضد العالم كله لم يبدأ إلا من هذا التاريخ.
فكرت أن أبدأ معك في محاولة التوفيق بين تعريفك وتعريفنا هنا في العالم الإسلامي للتطرف والعنف ولكنني عدلت عن ذلك لمعرفتي أن إختلاف المصالح لا بد أن يترتب عليه إختلاف في النظرة لكل الأمور بما فيها تعربف المفاهيم والقيم والمصطلحات. لذلك قررت أن أكتفي بعرض بعض من تطرفكم العنيف كما نراه نحن، ولك أن تفسر الأمور كما يحلو لك.
•1- القنبلة الذرية التي ألقيتموها على هيروشيما. وإلى الآن لم نسمع إستعدادكم للإعتذار عن تلك الجريمة.
•2- الفظائع التي إرتكبتموها في فييتنام
•3- العنصرية العنيفة التي مارستها الولايات المتحدة ضد السود.
•4- حرب "الصدمة والترويع" التي قمتم بشنها على العراق والتي إعتبرتم ضحاياها من المدنيين الأبرياء خسائر لا يمكن تجنبها في أي حرب. ورغم أنك ما فتئت تردد أنك كنت ضد تلك الحرب إلا أنني أستغربت من إعلانك اليوم عن وجود جانب "إيجابي" لتلك الحرب ففي رأيك أن الشعب العراقي في نهاية المطاف قد إستفاد من معادلة التخلص من الطاغية صدام حسين.
•5- أفغانستان وما ألحقتم بها من دمار وكل يوم نسمع عن عائلة أو قرية قتل سكانها وحجتكم دوما أنكم طاردتم أحد أعضاء طالبان والقاعدة.
•6- شراكتكم لإسرائيل في جرائمها في الأرض المحتلة بصمتكم على كل ما تفعل أو تبريره.
هذا في الجانب الذي يخصكم يا سيادة الرئيس فما قولك في الحرب التي شنتها دولة الكيان الصهيوني على غزة وحصارها. نحن والعالم سميناها حرب إبادة وقتل بدم بارد. وأنت أين كنت من كل تلك الفظائع التي أرتكبت في غزة؟ إن كل ما إستطعت فعله يومئذ هو الإختباء وراء حجة هي أوهى من بيت العنكبوت "للولايات المتحدة رئيس واحد" وكنت تقصد بوش. وكأن إنسانيتك وأنت ترى تلك الصور البشعة غابت حتى عن التعليق ولو بكلمة واحدة عن تلك البشاعة لتخرج بعد ذلك في حفل تنصيبك تعظنا وتبشر بالسلام القادم على يديك.
وما قولك في حرب تموز؟ وهل شاهدت صور شهداء قانا الأبرياء من الأطفال والنساء الذين قتلتهم إسرائيل بلا ضمير ولا أخلاق؟
كل ذلك وغيره مما لا يتسع المجال للإسهاب فيه هنا.
والمفارقة الغريبة في هذا الجزء من خطابك هي أنه ورغم حديثك المسهب عن التطرف والعنف إلا أنك بينت أن أميركا ستستخدم الدبلوماسية لتسوية مشاكلها "كلما كان ذلك ممكنا" وأنت بذلك أبقيت لنفسك الحق في إستخدام القوة كلما إرتأيت "الحكمة والضرورة لذلك" وكأنما القوة في أيديكم حق وفي أيدينا عنفا أليس ذلك تطرفا يا سيادة الرئيس؟؟؟؟
................
وأما قضية "حقوق الدول ومسئولياتها بشأن الأسلحة النووية" فذلك الجزء الذي لم أفهمه. فأنت تؤكد على التزام أميركا بالسعي من أجل عدم امتلاك أي من الدول للأسلحة النووية فهل هذا يعني أننا سنسمع قريبا أنكم دمرتم ترسانتكم النووية وأنكم ستصرون على أن تغلق إسرائيل مفاعل ديمونه ونصبح نحن من لا نمتلك السلاح النووي في مأمن منكم ومنهم؟
...................
وأما قضايا "الحرية الدينية" و "حقوق المرأة" فخطابك قد تناولها يا سيادة الرئيس بطريقة من يدس السم في العسل. ولكن مبدأ الحرية المطلقة للفرد مبدأ تابعنا نتائجه في بلادكم وخرجنا بقناعة أن إزدهار العالم لا يتحقق إلا بسيادة القانون الإلهي لا العقائد الوثنية أو خروج المرأة عن الدور الذي رسمه الله لها.
وأخيرا فقد طلبت منا أن لا نصبح أبدا سجناء لأحداث الماضي بغض النظر عن أفكارنا حول تلك الأحداث. ولكنني أسألك يا سيادة الرئيس كيف يمكن أن ننسى الماضي والحاضر الأليم الذي نعيشه اليوم إمتداد لذلك الماضي وأحداثه ما زالت تتفاعل؟ فما زال جرح غزة ينزف والعراق محتل وأفغانسان تسحق والقرن العشرين ليس ببعيد حتى ننساه ونمضي فما زالت آثاره متجسدة في عدو عنصري متطرف يحتل وطنا لا حق له فيه. فهل تطلب منا أن ننسى التاريخ أم تطلب منا أن ننسى الحدث الذي حاول تغيير التاريخ؟
المضحك يا سيادة الرئيس أنني أعلم يقينا أن كلماتي لن تلقى عندك أذنا صاغية لأنك أصلا ما جئت لتسمع ولكنك جئت لتطلب وتأمر فأنت مبعوث مؤسسة تحافظ على مصالحها ولو كان الثمن أشلاء البشر وأنت في مهمة رسمية تقتضي تجميل صورة أمريكا القبيحة فأنتم اليوم إمبراطورية عجوز تنوء بحملها وتكاد تسقط من عصف أزمة إقتصادية تتهددها بالضياع وتتهدكم إمبراطوريات نمت وكبرت في غفلة منكم. فأنتم اليوم بحاجة الى صلح حديبية يعطيكم فرصة لإلتقاط الأنفاس. ولكن يا سيادة الرئيس للأسف لم أجد في خطابك ما يحسن تلك الصورة القبيحة.
ولكن أدب الضيافة عند العرب والمسلمين يقتضي ألا ندع الضيف يتكلم دون أن نرد عليه.
فتاة مسلمة عربية
سيف فليشهر في الدنيا ولتصدع أبواب تصدع
الآن الآن وليس غداً أجراس العودة فلتقرع
أنا لا أنساكِ فلسطين ويشدّ يشدّ بي البعد
أنا في أفيائكِ نسرين أنا زهر الشوك أنا الورد
سندُكُّ ندكّ الأسوارا نستلهم ذاك الغار
ونعيد الى الدار الدارا نمحو بالنار العار
فلتصدع فلتصدع أبواق أجراس تقرع
قد جن دم الأحرار
الآن الآن فليس غداً أجراس العودة فلتقرع
من منا ما زال يشتعل حماسا عندما يسمع فيروز تغني هذه القصيدة بل من منا ما زال يذكرها؟؟؟؟ من منا ما زالت القدس في قلبه ووجدانه زهرة المدائن؟ من منا عيناه ما زالت ترحل الى القدس كل يوم تمسح الحزن عن مساجدها وتعانق كنائسها؟ من منا ما زال يذكر أنها مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم؟ من منا ما زالت عيناه تبكيان لأجل من تشردوا وما زالوا يشردون وتبكي لأجل الأطفال الذين بلا منازل؟ من منا ما زال يذكر ويجل من دافع وأستشهد في مداخل القدس؟ من منا ما زال الغضب الساطع يشتعل في قلبه وكله إيمان أن القدس بمقدساتها ومنازلها وشوارعها وأزقتها وحاراتها لنا نحن العرب (بمسلمينا ومسيحيينا)؟ من منا ما زال الغضب الساطع يشتعل في قلبه وكله تصميم على أن يعيد بهاء القدس بيديه؟
نعم، حين داست القدم الهمجية الأرض المقدسة وهوت مدينة القدس إستوطنت الحرب في قلوب الدنيا، فمتى ستمحو يا نهر الأردن أثار القدم الهمجية؟!
تلك قصيدة غنتها فيروز في العام 1966 ، ومنذ أن غنتها أصبحت قصيدة الأحرار حتى زمن طويل. كنا إذا سمعناها إشتعلنا حماسا ولكنني ما عدت أسمعها اليوم ومنذ زمن لا بأس به فهل إنقرض الأحرار؟ أم أن دماءهم بردت وما عادت تجن فما عادت فلسطين في الذاكرة وما عاد البعد عنها يشدهم وما عاد الهدف دك الأسوار ولا إعادة الدار ولا محو العار؟ أين ذهب الإصرار على (الآن - الآن)؟؟؟
كانت تلك طريق العودة الوحيد الى فلسطين التي يعرفها الأحرار رجالا ونساء وشيوخا - وظل إيمان شيوخ فلسطين بأن "العودة الى حضن بيوتهم التي غادروها قسرا مخلفين فيها ذكريات عمر بحاله.... آت .... فظلوا محتفظين بمفاتيح بيوتهم العتيقة في جيوب قنابيزهم يتحسسوها كلما إشتد شوقهم إلى بيوتهم.
تلك كانت قضية فلسطين. قضية شعب اغتصب وطنه بفعل البطش والمجازر وشرد شعبه بفعل جرائم الطرد الجماعي، قضية شعب له الحق في التحرر من إحتلال كيان أوجده وروج لأسطورته الزائفة آخرون.
ولإسترداد هذا الحق المسروق انطلق الرجال والنساء بلا تردد (عربا وفلسطينيين) مرددين (الآن الآن وليس غدا) فقد كان الحر لا ينام عن حق مسروق له ولا تنام عينه عن كل ما يهدد عرضه وأرضه وماله. حمل الأحرار البندقية وكان الهدف تصفية الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين تحريراً كاملاً.
ولكن فجأة وبعد 15 عاما من اليقين بحق العودة والتضحية في سبيل هذا الحق جاءت كامب ديفيد لتبشر بطريق آخر لإسترجاع الحق وسقط شعار (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) وصار الشعار الجديد (لم تسفك الدماء لإسترداد حق يمكن إسترداده بالتفاهم والتفاوض مع هذا الكيان الصهيوني المحدث)؟؟ (إسرائيل) كما يحلو لهم أن يسموها أصبحت أمرا واقعا كما يحلو لهم أن يرددوا ويروجوا إذا فلماذا لا نتعامل بواقعية مع هذه الإسرائيل فنقبل وجودها وشروطها حتى نتجنب جبروتها؟! ثم تطور هذا المنطق ليتبلور في مصطلح لم نعهده وما كان يخطر ببالنا أن هناك من يجرأ على التعاطي معه سرا فما بالنا اليوم نعيشه علنا .... هذا المصطلح هو "التطبيع".
وقضية التطبيع من اهم القضايا الخلافية التي أثارها الصراع العربي الإسرائيلي عبر سنواته ال 61. فما معنى (التطبيع) ؟؟
ليس التطبيع إفرازا خاصا بالصراع العربي الإسرائيلي فهو صورة من صور العلاقات الدولية، فقد يكون التطبيع بين دولتين لأول مرة ، وقد يكون اعادة للعلاقات التي انقطعت بين دولتين لسبب ما. ولكنه مرفوض في حالة الصراع العربي الإسرائيلي لخصوصية طبيعة الصراع. فأحد أطراف الصراع وهو الكيان الصهيوني ليس دولة طبيعية وإنما هو كيان أنشأ بالاحتلال وبمنطق فرض الأمر الواقع لذا فإن تطبيع العلاقات بينه وبين أصحاب الأرض وبينه وبين محيطه العربي والإسلامي سيثبت شرعية وجوده مما يعني سحب الإعتراف بحق أصحاب الأرض (الفلسطينيون) فيها.
وقد أوجز الأديب الدكتور حسن الهويمـل مفهوم التطبيع بعبارة بسيطة ولكن بليغة عندما قال: ""متى طبعت علاقتها يعني إسرائيل وأزالت من النفوس كرهها ضمنت بقاءها وسيطرتها."" (نقلا عن صحيفة "الجزيرة" السعودية).
فاالتطبيع إذا هو تحويل علاقتنا مع الكيان الصهيوني إلى علاقت طبيعية بالكامل وتصبح بذلك "إسرائيل الصديقة والشقيقة"، بمعنى أن يصير بيننا علاقات اقتصادية، علاقات إجتماعية، علاقات دبلوماسية وعلاقات ثقافية. بل إن البعض من أنصار التطبيع يقترحون أن يكون لإسرائيل مقعد في جامعة الدول العربية.
إذا التطبيع نتيجة من نتائج الاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة في أرض فلسطين وترجمة له. وهذا الاعتراف يعني أن حجة هذا الكيان في إحتلال فلسطين صادقة وأن له بالفعل حق تاريخي فيها. وأن اليهود عادوا اليها بإعتبارها أرض بلا شعب مما يعني أن الفلسطينيين لم يكونوا في يوم من الأيام يعيشون على أرضها وبالتالي فإن الشعب الفلسطيني ليس له حق فيها. وهكذا تسقط صفة الإحتلال عن هذا الكيان وبذلك لا يعود هناك قضية وطنية فلسطينية.
لقد كان زرع الكيان الصهيوني جريمة دولية تم التخطيط لكل تفاصيلها مسبقًا. وكانت أسهل وأول خطواتها هو احتلال الأرض وتشريد شعبها بالقوة والإرهاب. ولكن مخططي هذه الجريمة أدركوا أن القوة وحدها لا تكفي لتثبيت هذا الكيان كي يحقق الغرض الذي من أجله تم زرعه في هذه البقعة من العالم. فالقوة لم تنجح في تغيير طبيعة العلاقة بين هذا الكيان وبين الشعب الفلسطيني ولا بينه وبين الشعوب العربية.
فبعد نكسة ال 67 وإستسلام الجيوش العربية وضياع الضفة الغربية والجولان وسيناء في أيام معدودات توهم الكيان الصهيوني وداعموه أنهم بالقوة كسروا روح الإنسان العربي وإرادته. ولكنهم تفاجئوا به يتحداهم ويهزمهم في أول مواجهة له معهم بعد النكسة في معركة الكرامة المجيدة التي شارك فيها الى جانب الجيش الأردني مجموعة من الفدائيين واضطر الصهاينة في نهايتها الى الانسحاب الكامل من أرض المعركة تاركين وراءهم ولأول مرة معداتهم وقتلاهم دون أن يتمكنوا من سحبها معهم. وتلتها بعد ذلك حرب أكتوبر وإنتفاضات الشعب الفلسطيني وحرب تموز 2006 في لبنان وصواريخ المقاومة من غزة رغم الملاحقات والإغتيالات التي طالت قياداتها، ورغم الإجتياحات المتكررة لجيش الإحتلال والتي حصدت شبابا في عمر الورد وأفنت عائلات بأكملها وجرفت خير الأراضي، ورغم الحصار والتجويع والترويع. إذا لم يسقط خيار المقاومة في أي مرحلة من مراحل هذا الصراع المصيري.
هذا يعني أن هذا الكيان المزروع ظل كيانا غريبا. وهذا يعني أن مفهوم (فلسطين السليبة لنا ولن يمنعنا عن إستردادها أي شيء) هو الجوهر والمحرك لهذا الصراع.
لذلك كان من الضروري بالنسبة لأصحاب المشروع الصهيوني أن يلجؤوا الى إستخدام كل الطرق في سبيل تثبيت هذا الكيان بالدرجة الأولى في اللاوعي ثم على ارض الواقع فكانت خطوتهم الثانية في سياق جريمتهم الممتد (تطبيع) ما حدث من إحتلال وتشريد وإجبار الفلسطينيين على الإعتراف بأن وجود اليهود في فلسطين، وليس الفلسطينيين، هو الطبيعي .. فكانت أوسلو.
إن أوسلو أخطر من إتفاقيات كامب ديفيد لأن بها أقررنا نحن الفلسطينيون (أصحاب الحق) طواعية بوجود حق تاريخي لليهود في فلسطين ونحن بذلك لم يعد لنا أي حق بها. لقد صادقنا على أسطورة أنها أرض الميعاد للشعب المختار فكان ذلك إعترافا منا بشرعية الإحتلال لتتحول قضيتنا الى مجرد (تطلعات مشروعة للشعب الفلسطيني) كما وصفها الرئيس الأمريكي أوباما في خطابه الأخير في جامعة القاهرة فتحول صراعنا مع الكيان الصهيوني من صراع وجود الى صراع حدود.
يقول الكاتب والمثقف الإسرائيلي (شلومو رايخ):
ستبقى إسرائيل تركض من نصرٍ إلى نصرٍ نحو هزيمتها، لأن المستقبل لا مجال للتفاوض معه أو تدجينه أو تطبيعه مادامت الأجيال تتناسل، والذاكرة تتوارث، وكذلك أطلال القرى، ونحن حراس الذاكرة، وحراس الوجدان، ومبدئيو الثقافة، وسنذكر الأمة العربية من أقصى الوطن إلى أدناه بأن مئات القرى قد محيت، وأن عشرات المذابح قد ارتكبت، وأن العدو الصهيوني عنصري، ومشروعه يستهدف الأمة العربية، سواء في الجغرافيا أو في مواقع أخرى، وإذا تفاوض العرب على الجغرافيا، فإننا لا نسمح على الإطلاق، ولن يتفاوض حاكم عربي على التاريخ، فالتاريخ لا يتفاوض عليه، والتاريخ هو الكرامة، وهو كل هذا الامتداد العربي منذ عشرة آلاف سنة قبل الميلاد في (أريحا) إلى يوم الناس هذا، هوية عربية لن تنتزع منها إسرائيل، لا بقوة القهر، ولا بقوة الادعاء والأسطورة، تاريخها وكرامتها ومستقبلها.
إن ضياع الحق في فلسطين والقبول بالمخطط الصهيوني لتوطين الفلسطينيين خارج فلسطين يعني أن نعيش ضيوفا على دول ستكون مشكورة لتحملها عبئنا ولكن سنبقى ضيوفا عليها لا حق لنا الا أن نأكل ونشرب ونعمل ونتناسل. والويل من ذل اللجوء فالوطن هو السند وهو الملجأ في أي زمن صعب يمكن أن يواجهنا. والوطن حرية أطفالنا، والوطن حاضنة أحلامنا وطموحاتنا، خارجه نعيش مرتحلين وداخله ترسو سفن عمرنا.
وإذا كانت نتائج التطبيع على الفلسطينيين بهذه الخطورة فنتائجه لا تقل خطورة على الوطن العربي. وتتمثل هذه النتائج في التالي:
أ- إن التطبيع بين الكيان الصهيوني والعالم العربي والإسلامي، سيؤدي لميلاد مفاهيم جديدة تؤدي الى محو الحتمية التاريخية للصراع مع هذا الكيان.
ب- إبقاء المنطقة العربية تحت النفوذ الأجنبي وبقاء الوطن العربي مجزءا ومفرقا جغرافياً (حيث يفصل الكيان الصهيوني آسيا عن أفريقيا).
ث- ضرب التيارات الوطنية لما لها من دور جاد وحقيقي في توعية الجماهير بخطورة التطبيع مع الكيان الصهيوني.
ج- إقتصاديا:
1- إلغاء المقاطعة الاقتصادية العربية وجعل البلاد العربية سوقاً للمنتجات "الإسرائيلية".
2- إستغلال الأيدي العمالة العربية الرخيصة. كذلك الحصول على المواد الخام من البلدان العربية القريبة ثم تعيد تصديرها مصنعة إلينا.
3- استثمار الثروة المائية العربية خصوصا أن الخبراء يتنبؤون بـ (مجاعة مائية) في السنوات المقبلة وبالتالي سيكون الصراع محتدما على المصادر المائية.
4- التغلغل الاقتصادي في العالم العربي وتخريب اقتصادياته لتضمن تفوقها الإقتصادي ولتقضي على أية محاولات لإقامة مشروع تنموي عربي.
5- إقامة علاقات طبيعية مع الدول العربية المنتجة للنفط ، مما سيؤمن احتياجات الكيان الصهيوني من الطاقة.
6- التقليل من الموازنة المخصصة للانفاق العسكري والتي تمثل الجزء الأكبر من ميزانية الكيان الصهيوني ، وبالتالي توجيه هذا الوفر الى فرص للتنمية الاقتصادية .
7- تنمية قطاع السياحة والذي يعتمد أساسا على الامن والاستقرار، ولن يتحقق هذا الأمن الا من خلال اقامة علاقات طبيعية مع الدول العربية .
د- ثقافيا وتربويا :
•1- إسقاط ثقافة المقاومة وقتل روح الجهاد والدفع بإتجاه القبول بالكيان الصهيوني كأمر واقع.
•2- إن أخطر ما يحدث اليوم التطبيع المحموم على الصعيد التربوي. فقد إمتدت عمليات التطبيع الى جيل الشباب من خلال معسكرات تجمعهم مع طلاب صهاينة. هذه المعسكرات تستمر لأسابيع وتعلمهم كيفية " العيش المشترك" وحل النزاعات سلميا.
•3- كما أنها إمتدت الى إحداث إنقلاب في مواد التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا في محاولة لمسح ما ترسخ في عقول ووجدان طلابنا بان فلسطين ارض مغتصبة.
•4- منع الكتب التي تفضح اليهود وحقيقتهم وتوجهاتهم. وكذلك تلك التي تذكر بالقضية الفلسطينية.
•5- محاربة المفكرين والأدباء والمثقفين الوطنيين من العرب والذين يحاربون التطبيع ومصادرة أعمالهم. وتشجيع دعاة التطبيع من الكتّاب والمؤلفين ليؤدوا دورهم في تحقيق أهداف الحركة الصهيونية من خلال إفساد عقول الناس وثقافتهم.
إن التطبيع مع إسرائيل هو روح المشروع الصهيوني. فحتى أيام مضت طالبت الولايات المتحدة على لسان المتحدث باسم الخارجية الامريكية يان كيلي الدول العربية بـ "خطوات ذات معنى نحوالتطبيع مع اسرائيل", في الوقت الذي تركزت فيه محادثات وزير الدفاع الاسرائيلي والمبعوث الامريكي للشرق الاوسط على "اجراءات التطبيع العربي - الاسرائيلي, كشرط لأي مفاوضات". لذلك فإن علينا جميعا (فلسطينيون وعرب) مقاومة كل أشكال التطبيع السياسي والإقتصادي والصتاعي والزراعي والسياحي والثقافي والتصدي لها بكل الوسائل مع تمسكنا بقيمنا وثقافتنا وحقنا بمقاومة كل أشكال الهيمنة والاحتلال، إلى حين إعادة الحق لأصحابه.
أخيرا، يحضرني هنا توصيف بليغ للتطبيع للكاتب أحمد حسين هذه مقتطفات منه: "إن التطبيع يعني عالما جديدا ليس فيه فلسطين ولا فلسطينيون. وفي ظل الإجماع العالمي على وجوب موت الشعب الفلسطيني موتًا ذاتيًّا بالتطبيع، ليكون موته مقنعًا. ..... ما الذي سيخسره الشعب الفلسطيني إذا قال بطريقة من الطرق وهي كثيرة جدًا: لن نقبل بأقلّ من حقنا الطبيعي على كامل فلسطين، وافعلوا الآن ما شئتم. سنقيم في حقنا التاريخي الكامل، حتى نصبح قادرين على استعادة حقنا..... نشرة كنعان الألكترونية / العدد 1951
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat