Search result
لا أدري لماذا أثار خطاب نتنياهو الذي ألقاه يوم الأحد الماضي كل هذا الإهتمام والتحليل لدينا نحن العرب والفلسطينيون؟ فقد بات سهلا التنبؤ بما سيقوله أي رئيس من رؤساء العدو الصهيوني مهما كانت إنتماءاته الحزبية أو توجهاته. فنتنياهو ليس أكثر تشددا من اولمرت مثلا الذي فاوض وفاوض وفاوض دون ان يقدم شيئا مختلفا عما قدمه اليوم نتنياهو وما قدمه كل من سبقه فكان كما يقول المثل " بيوديك البحر وبيرجعك عطشان". والحقيقة هو أن كل رئيس إسرائيلي يأتي ليترجم الواقع على الأرض شروطا تتوافق مع هذا الواقع وواقع العرب والفلسطينيين اليوم يسمح له بأن يقول كل ما قال وأكثر.
أما سهولة التنبؤ بمحتوى الخطاب فمنبعها أمرين:
أولا : في أي نزاع، يكون لكل طرف من أطراف هذا النزاع ثوابت تمثل خارطة الطريق الخاصة به والتي تشكل دليلا له يستدل من خلاله على طريقه في دهاليز وتفاصيل السياسة. ودولة العدو الصهيوني وضعت لنفسها ثوابتا لم تتزعزع عنها على مدى 61 عاما. أما العرب والفلسطينيون فثوابتهم البعض فصلها وفقا لمصالحه الضيقة والبعض جعل الوقائع والتفاصيل والمراحل هي التي تحدد ثوابته والبعض الآخر لم يضع لنفسه أصلا ثوابتا فتاه في التفاصيل والمصطلحات.
ثانيا : لقد بات واضحا جليا لدى رؤساء العدو الصهيوني الإستعداد المؤكد لدى العرب في الخلاص من قضية الصراع العربي الإسرائيلي بأي ثمن. وبات جليا لديهم الإستعداد المؤكد لدى السلطة الفلسطينية لتقديم تنازلات لم تكن دولة العدو الصهيوني تحلم أن عاقلا يمكن أن يقدمها بدون أي مقابل. وقد جاء خطاب نتنياهو خلاصة فهم عميق للنفسية العربية على مدى 61 عاما التي تمثل عمر الصراع العربي الإسرائيلي. وأول إشارة لبني إسرائيل كانت أوسلو بعد أن وافق الفلسطينيون على نبذ الكفاح المسلح كخيار لإسترجاع حقهم بل والعمل على محاربته في صفوف عناصر منظمة التحرير.
إذا لم يخالف خطاب نتنياهو توقعاتي فما جاء فيه لم يكن مفاجئا. وقد مهد لمحتواه لدى عودته من زيارته الى الولايات المتحدة في أيار 2009 فقد قال وقتها "أن تل أبيب مستعدة أن تبدأ فورا محادثات سلام مع سوريا والفلسطينيين، وتوسيع دائرة التفاوض لتشمل دولا عربية أخرى "دون شروط مسبقة" لكن وفق حل "يتفق مع الاحتياجات الأمنية لإسرائيل". وبهذا فهو لم يلتزم بأي صورة من الحلول التي كانت مطروحة لا المبادرة العربية ولا خارطة الطريق ولا غيرها وحدد الإطار الذي ستدور في داخله أية مفاوضات وهو "أمن إسرائيل" دون أن ينسى أن يوضح أن ما ينتظره من العرب والفلسطينيين مقابل ما "يقدمه لهم" أن تتقدم الدول العربية "أولا" بما وصفها "بتنازلات ملموسة".
ولكن خطاب نتنياهو جاء لا شك لطمة على وجوه كل من راهن على "عملية السلام" ثم لحقتها اللطمة الثانية لكل من راهن على خطاب أوباما في القاهرة فجاءت مصادقة ومباركة الولايات المتحدة على كل ما جاء في الخطاب.
أما الأمر المثير للسخرية فهو أنه ورغم أن نتنياهو لم يقدم للفلسطينيين شيئا إلا أن رد نواب اليمين في الكنيست على ما جاء في خطابه "الغضب وعدم الرضا" لأن نتنياهو في رأيهم مضى لحد الإقرار بقيام دولة فلسطينية. وأما المعتدلون منهم فقد إعتبروا أن نتنياهو خطا خطوة كبيرة بإتيانه على "ذكر" دولة فلسطينية.
هذا يعني "أننا رضينا بالهم والهم مش راضي فينا".
ماذا قدم لنا نتنياهو؟ لا شيء
دولة فلسطينية منزوعة السلاح (وقد سمح لنا بعلم ونشيد وطني) شرط اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية
لا عودة للاجئين.
القدس عاصمة إسرائيل وستظل موحدة
لا بناء لمستوطنات جديدة أو مصادرة أراض لإقامة مستوطنات دون الإشارة إلى التوقف عن توسيع المستوطنات القائمة.
ومقابل سخائه هذا أعرب نتنياهو، بكرم بالغ، عن استعداده للقاء القادة العرب في دمشق أو بيروت أو القدس داعيا إياهم إلى تحقيق ما أسماه سلاما اقتصاديا. حتى أنه سمح لنفسه أن يطالب المستثمرين العرب بالاستثمار في إسرائيل والأراضي الفلسطينية لمساعدتها ومساعدة الفلسطينيين على إقامة مشاريع تشغل آلاف العاطلين ومناطق سياحية في أريحا والبحر الميت والمغطس على نهر الأردن وغيرها.
بكل بساطة، لماذا يعطينا نتنياهو ما يعلم تماما أنه يستطيع الإحتفاظ به دون تهديد أو خطر يحسب من ناحيتنا؟
لقد بدأ النهم الإسرائيلي الصهيوني يشتد منذ أن ذهب السادات بعد إنتصار أكتوبر الى القدس "وكأنه يصادق على أنها لهم"، ذهب هو إليهم وهو المنتصر في حرب أكتوبر مضيعا أرواح الشهداء وجهد الأبطال.
وصار النهم الإسرائيلي يشتد بعد أوسلو عندما قدمنا لهم أهم شيء ولم يقدموا لنا أي شيء. فقد تنازلنا عن حقنا في الكفاح المسلح لنعلن أن " كل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة سوف يتم حلها من خلال المفاوضات. بل وتمادينا حتى بلغ بنا الحال أن نسمي الكفاح المسلح "عنفا وإرهابا" فأدانت منظمة التحرير استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وأخذت على عاتقها إلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بذلك من أجل تأكيد التزامهم ومنع الانتهاكات وفرض الانضباط لمنع هذه الانتهاكات.
كل ذلك مقابل ماذا، مقابل أن يعترفوا بنا؟ ليتهم فعلوا بل "قرروا" الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل للشعب الفلسطيني، وأدخلونا في دوامة مصطلح لم نفهمه آنذاك واليوم نعيش آلامه وهو "إطار عملية السلام في الشرق الأوسط" وهومصطلح فضفاض هلامي يعني إستمرارية لا نهاية لها لعملية التفاوض.
إن اللافت في كل المقترحات والحلول التي طرحها العدو الصهيوني او أمريكا أو المجتمع الدولي هو أنها جميعها بدون إستثناء تبدأ بشرط أساسي وهو "نبذ غير مشروط للعنف والإرهاب من طرف الفلسطينيين". الا يعني هذا أن إسرائيل تفهم تماما قيمة السلاح ودوره في أية مفاوضات ولذلك فهي تسعى الى تحييده بكل الوسائل وتسعى الى قتل ثقافة المقاومة لدينا؟
وإذا كان العرب قد قالوا لإسرائيل أثناء عدوانها على لبنان في تموز 2006 إفعلوا ما تشاؤون فلماذا نستغرب اليوم أن يكون خطاب نتنياهو كما سمعناه؟
وإذا كان العرب والسلطة الفلسطينية قد قالوا لإسرائيل أثناء عدوانها على غزة في كانون الأول 2008 إفعلوا ما تشاؤون فلماذا نستغرب اليوم أن يكون خطاب نتنياهو كما سمعناه؟
سنوات من التنازلات وما زال النهم الإسرائيلي لمزيد من هذه التنازلات لا ينتهي طالما أن إسرائيل تستشعر أنه بالإمكان الحصول على المزيد. فلماذا نستغرب اليوم أن يكون خطاب نتنياهو كما سمعناه؟
سئل صلاح الدين الأيوبي: ألا تبتسم يا صلاح الدين؟ فقال صلاح الدين: إني لأستحي من الله أن أبتسم، والمسجد الأقصى أسير في أيدي الصليبيين.
لم يبتسم صلاح الدين لأن الأفصى كان أسيرا في أيدي الصليبيين ونحن سكتنا على إحتلاله أكثر من أربعين عاماً، منذ عام 1967 وحتى اليوم فهل يعني ذلك أننا ما عدنا نستحي من الله؟
إن فلسطين تتعرض للتهويد، والمسجد الأقصى يتعرض للحفريات والإقتحامات، وذلك بهدف اقتسامه تمهيداً لهدمه وبناء الهيكل المزعوم مكانه. كل ذلك والشارع العربي والإسلامي صامت.
هل نحن أمة مات فيها الشعور والاحساس فتبلدت، ونزعت منها القدرة على الغضب؟؟؟؟ هل صرنا أمة مسلوبة الإرادة الى الحد الذي جعلنا نقبل بأن تحتل أرضنا، وتنتهك أعراضنا، وتنهب ثرواتنا، وتسلب هويتنا ؟
كل فعلنا رد فعل خجول لأفعال فظيعة، نتظاهر ونهتف ونبكي ونكتب ونحلل فقط لنبرأ ذمتنا من تهمة التقاعس عن واجبنا تجاه فلسطين، ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يكن.
ولعل تفسير هذه الظاهرة يكمن في رأيي في ثقافة الإستسلام وثقافة التطبيع التي بدأت تروج منذ كامب ديفيد.
فثقافة الإستسلام" تروج "للواقعية السياسية" فلك أن تساوم عدوك على حقك على أن تكون مطالبك معتدلة ولا تغضب بل تتسامح مع جرائمه، وإعترف به وبهيمنته على المنطقة حتى لا توصم بالإرهاب، وكن مرنا وتنازل وتنازل وتنازل لأن السياسة "فن الممكن".
أما "ثقافة التطبيع" فتعني أن يصبح عدوك شقيقك فلا تناصبه العداء.
لقد كسرت كامب ديفيد حاجز الممنوع. ثم جاءت أوسلو لترفع عنوان مرحلة جديدة هي مرحلة التسوية والسلام كخيار وحيد - وتطيح بالعنوان الرئيسي للصراع مع العدو الصهيوني وهو "الكفاح المسلح". اعترفت منظمة التحرير بحق إسرائيل في الوجود فضيعت حق الشعب الفلسطيني التاريخي في فلسطين. وصارت أوسلو فكرا ونهجا يتم الترويج له ليرسخ في وجدان الناس وعقولهم.
وإنقسم الفلسطينيون والعرب بعد أوسلو بين مؤيد لفكر أوسلو وآخر رافض له وكانت تلك بداية التيه. تفرقوا بين فكرين كل منهما في الإتجاه المعاكس للآخر بعد أن كانوا موحدين تحت عنوان واحد - "الكفاح المسلح من أجل تحرير كامل التراب الفلسطيني".
وإلتقط المستعمر والصهيوني فكرة "التيه" وجعلوها لعبتهم فجزؤوا كل عنوان الى عناوين وكل إتفاقية الى إتفاقيات، وإنجرت الأحزاب والإعلام الى تلك اللعبة فأغرقتنا في التحليل والتفسير.
وكلما غرق الناس في التفاصيل فقدوا القدرة على الفهم ففترت عزائمهم وفضلوا الوقوف متفرجين.
وصار التاريخ في عقول الناس مشوشا وصار الواقع أيضا مشوشا. فظاهر الصورة دولة ورئاسة وحكومة، مع علم ونشيد، وخلفية الصورة إعتقالات وإغتيالات وحصار. إسرائيل هي خلفية الصورة في الواقع الفلسطيني.
أوسلو أيضا جرأت كل من لم يكن يملك الجرأة للتعامل مع العدو أن يجاهر بدون خوف ولا حياء بهذه الثقافة ويبشر ببركاتها حتى أصبح التعامل مع الكيان الصهيوني مقبولا للنفس عند الكثيرين.
وكانت أوسلو التنازل الأساس وسكتنا عنه فما كان صعبا أن نصمت عن كل التنازلات التي تلتها.
ثم جاءت العولمة لتعيش الأمة في تيه جديد يتمثل في ضياع هويتها وشخصيتها الإسلامية والعربية، عزلت شبابنا عن قضايا أمتهم المصيرية.
وجاء عصر التطبيع، وصار المطلوب أن نقبل العدو على المستوى الإنساني بعدما قبلناه على المستوى السياسي ليندفع العدو يتغلغل بيننا ويغزو عقولنا مفسدا لمفاهيمنا.
تيه يعيشه الشارع العربي فرغ الهمم وضيع الطريق. عمق هذا التيه شعور الناس أن كل التضحيات التي سبقت ذهبت أدراج الرياح فما جدوى المزيد. وأصبح كل فرد ولاؤه لمصالحه الخاصة منفصلا عن قضايا مجتمعه وأمته.
وحتى نخرج من هذا التيه لا بد من:
•1- الإيمان بإن الإسلام ينبغي أن يكون هو القاعدة التي يستند إليها مشروع التحرير لأنه الأقدر على تعبئة الجماهير وحشد طاقاتها.
•2- الإيمان المطلق بأن معركتنا مع العدو الصهيوني هي بين حق وباطل تتوارثها الأجيال حتى يأذن الله بالنصر، وبأن فلسطين أرض وقف إسلامي لا يملك أحد حق التنازل عنها. كما أن قضية فلسطين هي قضية كل المسلمين وليست قضية الفلسطينيين وحدهم. وعلينا أن نعلم أبناءنا وأحفادنا ذلك.
•3- التمسك بالجهاد وسيلة وحيدة لتحرير فلسطين.
•4- اليقين بأن السياسة ليست "فن الممكن" بل هي فن "خلق ظروف الإمكان".
•5- اليقين بأن صراعنا مع العدو الصهيوني هو "صراع وجود". قال بن غوريون: «المشكلة بيننا وبين العرب أننا رجلان أمام قطعة أرض واحدة، ولا بد لأحدنا أن يقتل الآخر حتى يفوز بحيازة الأرض».
•6- إدراك أن العدو الصهيوني كيان إستعماري توسعي. قالت غولدا مائير مخاطبة الجيش الاسرائيلي: "ان الآخرين لم يحددوا ولن يحددوا حدودنا، اذ أنه في اي مكان تصلون اليه وتجلسون فيه يكون هو حدودنا".
•7- إدراك أن الإستيلاء على القدس وتهويدها أحد دعائم المشروع الصهيوني.
قال وزير الأديان اليهودي: إننا نعتبر المسجد الأقصى وقبة الصخرة جزءا من ممتلكاتنا، وينطبق ذلك على المسجد الإبراهيمي المقدس في مدينة الخليل، ويعتبر الكهف محرابا يهوديا، لليهود في الكهف والصخرة حقوق احتلال وامتلاك.
•8- للإعلام دور مهم في نشر ثقافة المقاومة والتأكيد دوما على أن العنوان الرئيسي للصراع مع الكيان الصهيوني هو "تحرير فلسطين - كل فلسطين".
هذا المقال نشر في صحيفة السبيل
فزعت الى صديقتي أشكو لها مناوشاتي وحروبي مع نفسي كلما وقفت أؤدي صلاتي قهدءت من روعي وقالت لي تعالي أقص عليك حربي أنا مع همس نفسي.
لم تكن الصلاة بالنسبة لي الا فرضا نؤديه حتى نتجنب غضب الله ولا نخرج عن ملة الإسلام، وهي في صورتها التي هي عليها لأن الله إرتأى عبادته بهذه الطريقة وأن لا فائدة مباشرة منها للنفس البشرية.
وقد ظل هذا المعنى راسخا في نفسي حتى أقبلت علي أيام عايشت خلالها أحداثا قاسية ألمتني وجعلت الأرض تضيق علي بما رحبت. لجأت الى كل وسيلة خطرت ببالي لأخفف ألمي تارة بالموسيقى وأخرى بالرياضة حتى أني جربت النوم علاجا ولكن بدون أدنى فائدة فالألم يرفض أن يخفف قبضته عني.
قلت : الخلاص يا رب، فألمي ما عاد محتملا وما عاد بإستطاعتي المضي في حياتي الا أن يذهب أو يخف حتى أتمكن من التفكير بصورة سليمة.
وإستجاب الله.
كنت قد أنهيت أعمال المنزل وجلست أتابع برناماجا تلفزيونيا إجتماعيا ، فإذا بأخت تطلب نصحا في أمر يشابه الى حد كبير حالي مع نفسي فكان رد الضيف: ما وجدت أفضل من الصلاة بردا وسلاما على النفس، وصدق الرسول عليه السلام إذ قال: يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها.
وكأني أسمع هذا المعنى لأول مرة. لقد تعلمناه منذ زمن بعيد ولكنه غاب في غياهب الغرور والجدل الإنساني، ولكن صلاة تحقق هذا المعنى لا بد أن تؤدى بإندفاع الرسول اليها ملجأ إذا أفزعه أمر.
تنبهت نفسي لما سمعت وفي داخلها شك قطعت أنا عليه الطريق بأن قلت لها: يا سيدتي فلنجرب كما جربنا كل ما سبق.
حان وقت صلاة الظهر. أذن المؤذن .. حي على الصلاة، حي على الفلاح، توضأت ووقفت على سجادة الصلاة ونفسي مستنفرة متأففة من هذه الإضافة الصعبة على الصلاة. ما أن هممت أن أكبر تكبيرة الإحرام، حتى إستوقفتني منادية: هل تأكدت أنك أطفأت نار الفرن، فكرت أن أهملها لأنني صرت جاهزة للصلاة ولكنني لم أستطع فماذا إذا كانت على حق؟. وجدته مطفأ وتذكرت أنني تأكدت قبل الصلاة من ذلك. نظرت اليها برجاء وقلت: كوني لي عونا ولا تصعبي الأمر علي. هزت كتفها وقالت: جل ما سأفعله أن أدعك وعقلك وسأنتظرك حتى تنتهي، قلت : وهذا يكفيني الأن.
رفعت يدي لأكبر تكبيرة الإحرام فنادت: أنصتي، أظن أنني أسمع جرس الباب يقرع، قد يكون أحد الأولاد قد عاد لسبب طاريء، فذهبت أفتح الباب ولم أجد أحدا فعدت غاضبة، إذهبي في زوايا الجسد واصمتي وإلا ... فأدارت ظهرها ثم سارت الى أن وصلت بجانب أذني، وجدت لها مكانا هناك، جلست ثم وضعت رجلا على رجل، وجعلت يدها وتدا طرف منه يرتكز على ذقنها والآخر يرتكز على فخذها وشردت تقلب أحداث عمرها. قلت لها: لا تذهبي بعيدا بل إنضمي الي لعلنا ننصهر في بوتقة الخشوع فنصبح أنا وأنت واحدا وتصبح صلاتنا كصلاة رسولنا عليه السلام، ولكنها أبت وظلت في مكانها وبقيت على شرودها فتركتها وشأنها. وأنا أهم بتكبيرة الإحرام لاحظت أنها تسترق النظر إلي وكأنها تخطط لشيء ما، ترى ما هو ؟؟؟
ما أن كبرت تكبيرة الإحرام حتى أخذت تنقر بأصابعها على طبلة أذني. قلت لها: ماذا تفعلين بي يا شقية، قالت: قلت لي أن أكف عنك وقد فعلت، وأنا الآن أستدعي كلمات لم تعجبني قالتها لي فلانة وأريد أن أجهز ردي عليها. إفعلي ما شئت فلن أدعك تشتتين تركيزي وتوجهت الى أذني أرجوها أن تسدل ستارا يخفي نقر أصابعها، ففعلت.
بدأت بقراءة سورة الفاتحة حتى وصلت الى "إياك نعبد وإياك نستعين"، يا الله، قلت أناجي ربي، هذا هو سر الصلاة بل هو جوهر الحياة، أن نعبد الله ونستعين به على عبادتنا وحاجاتنا، وحياتنا بحلوها ومرها، وقبل كل ذلك على أنفسنا.
وبدأ قلبي يستجيب لمحاولاتي وإنضم أخيرا الى الفريق الذي يعاونني على صلاتي وبدأ يضخ لدماغي دما ممزوجا بلطف الخشوع فإستجاب عقلي وأذن هو حي على الصلاة، حي على الفلاح فسجدت خلاياه فتبعتها خلايا جسدي بالسجود في خضوع لم أختبره في حياتي أبدا وإحتوتني سكينة أبكتني إستسلمت لها وتشبثت بها تشبث الطفل بثوب أمه وهي تهم بالإبتعاد عنه.
أنهيت الركعة الأولى وقمت للثانية فإذا بنفسي تستعجلني بسخرية: إذا كانت كل ركعة ستستغرق دهرا إذا لن تنهي اليوم أعمال منزلك ولا إعداد طعام زوجك وإذا إستمر هذا الحال فلن يكون هناك وقت لا للعناية بدروس أولادك ولا بالإلتفات لشؤون زوجك ولا نفسك. إستعجالها أخرج خلايا عقلي من مسجدها الى حواري الحياة وأزقتها وبدأت تنشغل في التفكير في شؤون الدنيا، وصار أداء الصلاة جزءا من كل لا كلا يفرض على الأجزاء.
قلت لها بتحد الخاسر، حسنا كانت هذه جولة تحسب لك فلنرى من يربح في الجولة التالية. ردت: سنرى.
قلت : يا رب "إياك أعبد وإياك أستعين فأعني على نفسي" وبدأت ركعتي الثانية. فما كان من نفسي الا أن جلست وتربعت على كتفي وأول شيء قالته : لن أخبرك أن المال الذي أضعتيه هو في المكان الفلاني. كدت أترك صلاتي لأجلب المال قبل أن أنسى مكانه لو إنتظرت لما بعد الصلاة. ثم تابعت: ولن أذكرك بأنك نسيت أن تهاتفي الطبيب لتسأليه عن أمر يخص أمك. إنفصلت عن صلاتي حتى نسيت في أي ركعة أنا وقد إنشغلت في تأنيب نفسي وفي التفكير فيما يمكن أن تظنه أمي. ثم بدأت تثرثر في كل شيء، تذكرت بغضب عارم كيف عاملتها فلانة بتعالي، فإنتقل غضبها نارا في إشتعلت في قلبي وقلت أحدث نفسي: معك حق، من تظن نفسها، سنجعلها تندم على فعلتها، وإنشغل عقلي في التخطيط للرد على فلانة وقلبي يستغيث: لقد أغرقني موج الغضب والغل وما عدت أستطيع ضخ دم لهذا العقل الذي أفلت من رحاب الله.
ثم أخذت تفكر في حياتي المبعثرة وكيف ألملمها. بعدها بدأت تتحدث عن وزني الذي إزداد كثيرا وأنني لا أكف عن الأكل وتهزأ من قولي "غدا سأبدأ حميتي" مذكرة إياي بالملابس التي إشتريناها في رحلتنا الأخيرة العام الماضي. ولم تنسى أن تذكرني بألا ألبس جلبابي الأسود الا بعد أن أقوم بغسله فقد نسيت ورششت بعض العطر عليه عندما زارتنا جارتنا فلانة بالأمس لتشرب فنجان قهوة. غدا هو أول يوم لك في عملك الجديد سيبدو الجلباب البني أنيقا عليك وسيكمل تلك الأناقة الإيشارب البيج وربما سيكون الحذاء ذو الكعب المتوسط هو الأنسب ليوم عمل طويل، وتابعت بإصرار: ترى كيف ستكون أجواء العمل و...
تاه عقلي حتى عن أبجديات العد ونسيت في أي ركعة صرت وهل قرأت التشهد وهل سجدت سجدتين أم واحدة، أفقت على نفسي وأنا أقول في السجود "سبحان ربي العظيم" ولا أدري أأقرأ التشهد والصلاة الإبراهيمية بإعتبارها الركعة الأخيرة أم بقي غيرها.
نظرت فإذا نفسي تتبسم بشماتة الرابح للتحدي، وقالت بسخرية: أرأيت، أنهينا صلاتنا بخفة ولم نشعر بثقلها في زحمة أفكارنا.
إستغفرت الله، وسلمت لأخرج من الصلاة، إن كان من الممكن أن نسميها صلاة، وبغضب عارم ناديت إرادتي لتجر نفسي جرا الى سجن أعددته خصيصا لأحبسها فيه في ميعاد صلاتي لعلها وهي تشهد حلاوة إنقياد جسدي وعقلي برضى تحت لواء (حي على الصلاة، حي على الفلاح) أن تتطوع للإلتحاق بهما لأحقق أنا في يوم ما (أرحنا بها)، أدعو الله أن يكون قريبا.
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح
تم نشر المقال فس صحيفة السبيل
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat