نتيجة البحث
إلتقيتها صدفة في أحد المولات دعوتها الى فنجان قهوة. فاجأني أنها لم تدخن حتى سيجارة واحدة. أتذكر أنها كانت تدخن بشراهة، وكانت ما أن تنتهي من سيجارة حتى تمد يدها لتتناول غيرها دون حتى أن تنظر الى علبة السجائر، ولا تكتشف أن العلبة فرغت الا بعد أن تمد يدها وتجد نفسها قابضة على فراغ. سألتها: هل طلقت سيجارتك؟؟ إيتسمت وقالت.......
أغلب الناس يدخنون تنفيسا عن حالة نفسية أو من باب التجربة، أما أنا فقد كنت ممن يدخنون تلذذا ومتعة. كنت لا أجد صعوبة في الإقلاع عن التدخين لشهور ولكنني كنت دوما أشتاق اليه شوق المحب لحبيبه بعد هجران.
كنت في كل يوم أحرص على الإستيقاظ مبكرة جدا حتى أحظى بخلوة مع سيجارتي في شرفة داخل المنزل جملتها وأحطتها بالورود والزرع الأخضر حتى تكتمل متعتي في لحظة اللقاء.
وكنت أحرص دوما ألا أنام قبل أن أطمئن أن لدي ما يكفي نهار اليوم التالي من السجائر.
يبدأ نهاري يوميا بصلاة الفجر، ثم أعد فنجانا من القهوة بعدها أحتضن علبة سجائري وأتوجه الى شرفتي. أجلس على مقعدي الوثير. أتناول سيجارتي، أضعها في فمي وكل خلايا جسدي وعروقي تترقب اللحظة المنتظرة كالأرض العطشى تنتظر الماء لترتوي. أقرب عود الثقاب من سيجارتي فينعتق بناره التبغ من داخل تلك اللفافة الصماء وينتفض منتشرا في الفضاء الواسع كمارد خرج من سجنه. أحاصره بفمي، أغمض عيناي حتى لا أفكر في أي شيء عدا هذه اللحظة، وبكل الشوق الذي إشتد في عروقي آخذ نفسا عميقا من السيجارة أحرص فيه أن يندفع الدخان مباشرة صوب حلقي. وما أن يلمس الدخان حلقي فكأنما إبتلت روحي بعد ظمأ، ويدب النشاط في دماغي بعد أن ظل حتى تلك اللحظة مدينة تغط في سبات عميق. يصحو عقلي بإبتسامة راضية، يتمطى ذات اليمين وذات الشمال بقوة حتى يتمدد ويحتل كامل مساحة جمجمتي، وفي نظام عجيب منضبط تبدأ حركة المرور بين خلاياه، وبين خلاياه وباقي خلايا جسدي وتلك ذروة النشوة عندي.
ساعتها فقط أبدأ بشرب فنجان القهوة وأتم سيجارتي قبل أن يصحو أولادي وزوجي وأتوه معهم في زحام يومهم.
وكنت كلما فزعت مما أقرأ عن خطر الدخان على الصحة والجيب، وما أسمع عن سعال المدخنين المؤلم وأنفاسهم المتلاحقة مع أقل جهد يبذلونه، تطمئنني نفسي بأنه تعددت الأسباب والموت واحد أو بتذكيري بقوله تعالى (لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) وعليه فإن كل ذلك لا يجب أن يحدث عندي فرقا ولا أن يدفعني في يوم الى التفكير في هجر السيجارة مقابل المتعة التي أجدها عندما أدخن. وكانت تذكرني دوما بأن السيجارة رفيقتي المخلصة تكنس همومي وتروض إضطرابي، وتصر على أنها متعة بريئة وإلا لحرمها شيوخنا.
وفجأة، جاء تحريم شيوخنا في فتوى تحريم التدخين، ما العمل؟ كانت تلك صرخة فزع أطلقتها نفسي تستنجد بي؟ ماذا ستكون متعتنا بعد هذا الحظر؟ هل سيبقى لفنجان القهوة لذة؟ هل ستظل سهراتي ممتعة؟ هرعت الى شرفتي ولكن بدت في عيني نفسي وكأن زلزالا دمرها وصارت تحوم في حنايا جسدي بجنون تسأل عما سيؤول إليه حالها بعد اليوم. لقد كان هجران السيجارة فكرة لا تخطر ببالي أبدا والآن تطالبيني بأن أطلقها، أبدا هذا لن يكون. ولم تحملني قدماي فإرتميت خائرة القوى على مقعدي وأنفاسي متلاحقة حتى ظننت أنني أختنق.
فجأة تنبهت لأمر خطير، لم أدرك قبل الآن مدى ولعي بسيجارتي وإدماني عليها. لقد صرت عبدة لها وقد كنت أعتقد أنها عبدة لمتعتي. فما العمل؟ هذا أمر الله ولا أملك إلا أن أكون كما جاء في قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) فجوهر الإسلام هو الإستسلام لأمر الله حتى وإن كان لا يوافق الهوى.
هاجمتني نفسي بقسوة مستقوية بحالة العصيان والتحفز في عروقي وأعصابي. كفي عن التفلسف وفكري، لم نسمع من غير هذا الشيخ من أفتى بتحريم التدخين لذلك تجاهلي هذه الفتوى الى أن يوافقه شيخ آخر.
ماذا حدث لي؟ ما هذا الفزع الذي تملكني فشل تفكيري وأخل بإتزاني؟ لقد إنغمست في متعتي حتى نسيت فقها ألزمت به نفسي منذ أن وعيت كيف أملك زمام نفسي ولجامها. فقه ينص على أن كل لذة أو متعة محللة تجعل إرادتي رهينة بها، ولو كان فنجان قهوة، هي متعة محرمة علي حتى تصبح هي رهينة لإرادتي وإلا أكون قد سلمت نفسي للشيطان.
أخذت نفسا عميقا، جلست على مقعدي الوثير في شرفتي الصغيرة ودعوت نفسي الى حوار بيني وبينها.
قلت لها: لو راجعنا أنا وإياك كل ما أباحه الله للبشر من طعام وشراب لوجدنا أنه لم يبح الا كل طيب نافع وقد أثبت العلم والتجربة ذلك، أليس كذلك؟ صمتت ثم هزت رأسها موافقة.
وهل توافقين أن كل ما قرأناه عن التدخين يثبت أن له أضرارا خطيرة وليست له منفعة واحدة إلا متعة تنتهي بصداع في الرأس ومرارة في الحلق وإرتخاء بغيض في الجسد؟ لم تجبني فما زالت مصرة على أنه : تعددت الأسباب والموت واحد.
حسنا، إنك لا تأهبين لفكرة الموت على إعتبار أنها حتمية، وقد تركت لنفسك حرية إختيار الطريقة التي تقبلين أن تموتي بها ولكن لا حق لك في فرضها قسرا على كل من حولك، فكل من حولنا بجلوسه معنا يدخن معنا رغم أنفه. أليس كذلك؟ بعصبية أجابت هل تتهمينني بالأنانية، قلت لها: وهل لما تصرين عليه معنى آخر؟
بقلق المستجير عادت تسألني: ولكن ماذا أفعل في دخان السجائر الذي يطاردني حيثما أكون مع الناس، في بيتي، في لقاءات السمر، في الأسواق وحتى في العيادات الصحية؟
قلت لها: وهل سمعت عن طلاق لا يسبب الألم؟ وهل سمعت عن هجران لا يتطلب تدريبا على إعتياده وقبوله؟
بحنو قلت لنفسي : هل تعلمين، لماذا لا نبدأ برنامجا للصيام والدعاء ؟؟؟
وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
تم نشر القصة في صحيفة السبيل
المساهمات: 50
التغليقات: 94
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

العاب
اعضاء
اعلانات
مدونات
صور
افلام
صوتيات
مجموعات
احداث
استطلاعات
منتديات
مقالات
الواح
دردشة