Search result
بينما كنت جالسة أنتظر دوري لأسدد فاتورة الإنترنت في أحد مراكز إحدى الشركات التي تقدم هذه الخدمة، لفت انتباهي لوحة دعائية تروج لشراء خدمة الإنترنت من خلال تعداد الفوائد التي تحققها. أما الذي لفت انتباهي فهو الترتيب الذي وضعت وفقه تلك الفوائد، فقد جعلت "التسلية" على رأس قائمة الفوائد التي يحققها الإنترنت، وجعلت "المعرفة" في آخر تلك القائمة.
مما لا شك فيه أن هذا الإعلان يعكس واقعا مرا سائدا في العالم العربي، وإلا لما استثمرته الشركة لترويج الخدمة، وتؤكده نتائج تقرير المعرفة العربي لعام 2009، الذي أصدرته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. وتؤكده أيضا أكثر من 70 % من قنوات التليفزيون العربية تطغى على برامجها المادة الترفيهية.
ورغم أن طلب العلم من المهد إلى اللحد واجب شرعي حسب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يطلق عليه "التعليم مدى الحياة" والذي تعمل منظمة اليونسكو اليوم على نشره وترويجه، إلا أننا نجد أن الواحد منا ما أن يتخرج من الجامعة حتى تنقطع صلته بالعلم، إلا من رحم ربي.
وهنا لا بد أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن التعليم لا قيمة له إذا إقتصر على كونه مجرد معلومات تخزن في الدماغ. فالتعليم جسر إلى المعرفة، كما أن المعرفة رحيق العلم وخلاصته. هي علم يملك صاحبه القدرة ويبذل الجهد للانتفاع به في الارتقاء بمستوى تفكيره وتعاطيه مع كل ما يحيط به.
وقد جعل الله عز وجل، ولله المثل الأعلى، جعل من أسمائه الحسنى "العليم" و "الخبير". وقد عرف الدكتور محمد راتب النابلسي اسم "العليم" أنه الذي يعلم سرنا وجهرنا، يعلم نوايانا كلها، يعلم ما يدور في خلدنا، وما يجري في أنفسنا. أما اسم "الخبير" فعرفه أنه الذي يعلم بالبواعث والخواطر، والخلفيات والملابسات ويعلم حقيقة كل شيء. ووضح الدكتور النابلسي أن "الخبير" يفيد معنى "العليم"، ولكن "العليم" لا يفيد معنى "الخبير". علما بأن خبرة الله تعالى لا تأتي بتراكم المعارف فهي خبرة أزلية.
يعرف الدكتور كيث ديفلين Keith Devlin المعرفة في كتابه "الإنسان والمعرفة في عصر المعلومات" (قامت بترجمته إلى العربية شادن اليافي)، بطريقة سهلة وبسيطة فيقول:
المعلومات = البيانات + المعنى
المعرفة = المعلومات المختزنة + القدرة على استعمال المعلومات.
ثم يوضح الدكتور كيث الفروق بين البيانات والمعلومات والمعرفة في مثال فيقول: إن البيانات هي ما نحصل عليه عندما يطبع الحاسب الآلي لائحة من الأسماء والعناوين موجودة في أسطوانات الحاسب الآلي، وتصبح البيانات معلومات عندما يحصل عليها الناس أثناء قيامهم بأعمالهم اليومية وتوجد في الفكر الجماعي للمجتمع، وتصبح المعلومات معرفة عند اعتقاد المرء بها في ذاته، وتمكنه من استعمالها بشكل فوري، ووجودها في الفكر الفردي للشخص.
والملاحظ أنه بدأ الحديث عن "بزوغ عصر المعرفة" باعتباره مفهوما جديدا يدعو إلى الاهتمام بتنمية واستثمار قدرات الإنسان الذهنية، واعتباره الأساس في تحقيق أي تقدم أو تنمية بالمجتمع. وعليه، ووفقا للمفهوم الجديد، فإن الاهتمام بالبحث العلمي هو أساس لأي عمل، والاهتمام بتنمية التراكم المعرفي هو الثروة الحقيقية للمجتمع".
إن مفهوم المعرفة وقيمة البحث العلمي في حياة البشر ليس بالجديد، وإنما وجد منذ خلق آدم "وعلم آدم الأسماء كلها" ذلك أنه بدون هذا العلم ما استطاع آدم أن يتعاطى مع حياته الجديدة على الأرض. وستبقى تلك المعرفة ضرورة حتى قيام الساعة؛ لأن أساس ضرورتها تنبع أولا من دورها في تحقيق الغاية من خلق الإنسان "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" فعبادة الله عز وجل لا تتحقق إلا بمعرفته من خلال فهم الإنسان لقوانين الحياة من حوله، وبالتالي إدراك الحكمة من الخلق وعظمة الخالق.
وثانيا لأن المعرفة تكسب العقل الإنساني قدرة على التحليل والفهم، الأمر الذي يزيد وعيه بمحيطه وبنفسه، ويزيد قدراته على الاكتشاف والتنبؤ بما يساعده على تطويع الكون لخدمته وتطوير مجتمعاته. فبالمعرفة يستطيع الإنسان أن يطور مهاراته وقدراته على مستوى الأداء أو على مستوى الإبداع، وهذه هي أسس الحضارة وأسس النجاح. فالمعرفة كانت وسيلته لتطوير الزراعة في زمن، وتطوير مواصلاته في زمن آخر، وفي زمن غيره كانت وسيلته لتطوير الصناعة، وزمن آخر وسيلته لتطوير منظومته القيمية ونظمه الاجتماعية والاقتصادية بما يخدم وجوده وأهدافه.
الفرق أنه في الماضي كان لزاما علينا أن نسعى للمعلومة لنستخلص منها المعرفة، وكان ذلك يتطلب منا جهدا وكلفة ووقتا أكبر. ولكن ثورة المعلومات والاتصالات اليوم جعلت المعلومة تسعى إلينا وجعلت في متناول أيدينا طوفانا من المعلومات، مما تطلب منا أن نتعلم كيفية إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات لنستخلص منها معرفة مفيدة، كما فرضت علينا ثورة الاتصالات سرعة اكتساب هذه المعرفة.
هذا فيما يتعلق بالمعرفة كمفهوم وضرورة، أما فيما يتعلق بمعيقات المعرفة وإدارتها فهذا شأن آخر وهو يقتضي الحديث عن الأمية التي تصل في بعض الدول العربية إلى ما نسبته 60%، وعن نسبة لا تزيد عن 0.6% فقط من العرب يستخدمون شبكات الإنترنت، وعن تزاوج بين السلطة والمال يدفع باتجاه هذه الأمية وهذا التخلف، وعن حكام مستبدين من صالحهم أن تبقى شعوبهم غارقة في الأمية والبطالة والفقر والتخلف، رغم طاقاتها الهائلة؛ لأنها التربة الصالحة لسوق هذه الشعوب كيفما شاؤوا. ولا يفوتنا الحديث عن نظام تعليمي متردٍّ منقول، بصورة مشوهة، عن الآخرين ساهم في ترسيخ هذا الجهل بقيمة المعرفة أو هجرة المعرفة لمن يقدرها.
بينت في الجزء الأول من مقالي أن "أمة إقرأ لا تقرأ" إتهام ظالم لأنه لا ينظر بعدل الى الأسباب التي جعلت العرب يعزفون عن القراءة. وبينت أن عزوف الطفل عن القراءة سببه أن البيت والمدرسة لا يقومان بتشجيعه على القراءة الواعية وتحبيبها له لتصبح عادة أصيلة تابعة من الذات.
فإذا إنتقلنا الى المرحلة الثانوية نجد أن المطالعة ظلت حصة مستبعدة، والأبحاث التي يطلب من الطالب كتابتها في الغالب لا تقرأ من قبل المدرسين مما دفع الطالب للقيام بنسخها دون قراءتها. والحال نفسه في التعليم الجامعي. وفي هذا السياق، فقد بين تقرير المعرفة للعام 2009، أن معدل الإنفاق الحكومي على البحث العلمي في معظم الدول العربية لا يتعدى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لا تحفز على القراءة والبحث.
ومع ضعف الإنفاق الحكومي يغيب أثرياؤنا أيضا عن توظيف جزء يسير من أموالهم لدعم البحث العلمي. يحكي د. أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء للعام 1999 أن جوردون مور مؤسس شركة إنتيل والذي تقدر ثروته بحوالي 20 مليار دولار قرر أن يمنح جامعة كالتك، التي تخرج منها 600 مليون دولار وذلك إمتنانا منه لها شرط أن تقدم بحثا غير عادي. ويذكر د. زويل أن مور قال له: كم من المال تعتقد أنه سيتكلف مشروعك؟ أجاب: 20 مليون دولار. قال له اكتب لي صفحتين فقط بأفكارك والميزانية وبالفعل حصل د. زويل والجامعة على المبلغ لإجراء البحث. يقول د. زويل: لولا هذا المبلغ الذي تبرع به جوردون مور ما كان باستطاعتنا أن نحقق القفزة التي أنجزناها في ثلاث سنوات فقط"
وإذا إنتقلنا الى الأسباب الأكثر وجعا، فما زالت الأمة العربية ترزح تحت وطأة الأمية والفقر والبطالة والفساد وكل ما يقال عن إحراز أي تقدم في مجالات النمو هو من باب الدجل السياسي للنخب الحاكمة لتغطي عجزها أو تقصيرها أو فسادها. هذه الهموم التي يعيشها الإنسان العربي هي سبب أساسي لعزوفه عن القراءة.
تشير التقارير أن أكثر من ثلث العرب يعيشون تحت خط الفقر. وفي الأردن يقدر معدل دخل الفرد السنوي بـ2700 دولار أي ما يعادل نحو 159 دينار شهرياً في بلد يبلغ فيه خط الفقر العام 504 دينار مما يعني أن دخل الفرد لا يكفي لتغطية حتى ثمن حاجاته الأساسية.
أما البطالة، ففى الوقت الذي لا يتجاوز متوسط معدل البطالة في العالم 6.3% تشير التقديرات إلى إن نسب البطالة في العالم العربي تتراوح ما بين 20 و 25% من مجموع القوى العاملة، وأن الوضع الحالي للبطالة في طريقه "لتجاوز الخطوط الحمراء" كما وصفته منظمة العمل العربية. بل إنه لم تعد هناك دول عربية محصنة ضد البطالة كما كان يعتقد قبل سنوات، وبخاصة فى دول الخليج العربي، حيث يبلغ معدل البطالة فى السعودية، أكبر هذه البلدان تشغيلاً للوافدين، نحو 15%، كما جاء في تقرير المنظمة .
لقد كان من أول ما امتن الله به على قريش قبل أن ينزل الوحي ب "إقرأ" وقبل حتى أن يطلب منهم عبادته، أن أطعمهم من بعد جوع وآمنهم من بعد خوف فقال سبحانه وتعالى في سورة قريش (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).
وحتى إن تجاوزنا مشكلة الفقر والبطالة تبقى الأمية أحد أكبر معيقات القراءة والمعرفة في العالم العربي، فقد جاء في تقرير المعرفة العربية للعام 2009 أن عدد من لا يستطيعون القراءة والكتابة في العالم العربي 60 مليونا في الوقت الذي إحتفلت فيه السويد مثلا بوفاة آخر أمّي فيها في العام 2008. ويضيف التقرير أن 6 ملايين طفل ممن هم في سن التعليم الابتدائي لا يلتحقون بالمدرسة.
أضف الى كل ما سبق، إن شعور الإنسان العربي يأن التنافس بينه وبين غيره لا يقوم على أساس تكافؤ الفرص والكفاءة بسبب إنتشار الواسطة والمحسوبية، فقد يكون من هو أقل في المستوى التعليمي والكفاءة رئيساً لمن هم أكثر منه كفاءة أو خبرة لأنه إبن فلان أو محسوب على فلان، هذا الشعور بالغبن والتمييز يفقد الإنسان الحافز للمعرفة لأنه لا يرى فائدة ترجى.
وأخيرا، فإن الكتاب العربي نفسه سبب في عزوف الناس عن القراءة. ذلك أن التعامل مع الكتاب لا بد أن يكون بإعتباره مادة تثقيفية تخاطب المواطن البسيط وفكره وتعبر عن مشاكله وتطلعاته. ولكن الكتاب العربي يعاني من "أزمة أفكار" وإن وجدت الفكرة فاسلوب عرضها يكون بعيدا عن التجديد والسهولة والمتعة بل وفي كثير من الأحيان بعيدا عن العمق. وهذا ربما يفسر إقبال الناس على إستعارة القصص أكثر من غيرها من الكتب لأنها أكثر قدرة للتعبير عن واقعهم وبأسلوب محبب لهم في غالب الأحوال.
يقول الأستاذ غالب مدير مكتبة شومان أن القصص تتصدر قائمة الكتب المستعارة من المكتبة بنسبة 14.3%.
كما يقول وسام الخولي، الموظف في إحدى دور لنشر أن الروايات الأجنبية تتصدر قائمة مشتريات الفتيات التي تتراوح أعمارهن ما بين 13 - 20 سنة لأنها أكثر إمتاعا.
أما فاتن وهي سيدة تعمل في مجال المبيعات تقول أنها تقرأ باللغة العربية لأنها اللغة التي تتقنها ولكن لا شك في أن الأجانب أبرع في التعبير عن كثير من المواضيع (وهذه كلماتها).
ولو تأملنا القرآن الكريم سنجد أنه رغم نزوله على أساطين اللغة العربية الا أنه نزل بلغة سهلة بسيطة وإسلوب شيق محبب وفيه تروى القصص وتعرض حقائق الكون والوجود والخلق، وهي قضايا فلسفية كبرى وصعبة، تعرض من زوايا متعددة وبحجج مختلفة لذا فإن الإنسان مهما كان مستوى ثقافته لا يجد صعوبة في فهم عموم ما جاء فيه. إن الكاتب والمؤلف يكتب للناس على إختلاف مستوياتهم الثقافية لا لنفسه ولا للنخب لذا فإنه كلما نجح الكتاب في مخاطبة أكبر عدد من الناس كان أكثر جذبا.
نعم "أمة إقرأ لا تقرأ" ولكن الإصرار على أنها تتحمل مسؤولية أميتها الثقافية بالكامل هو تحامل ليس في مكانه. فالشعوب الإسلامية غير العربية من "أمة إقرأ" أبدعت ووصلت الى مصاف الدول الغربية أو في طريقها عندما توفرت لها سبل العيش الكريم والتعليم المناسب والبيئة الصالحة للإبداع وتجربة ماليزيا وتركيا ليست ببعيدة.
إنني لا أبرر أمية ثقافية دفعت بنا الى مكان غير مرئي في قائمة الدول المتقدمة ولا أقول أن الغرق في همومنا يعفينا من مسؤولية النضال وبذل الجهد للخروج منها كل من موقعه. وستبقى "إقرأ" دليلنا الى معرفة أن "ربنا هو الأكرم" لأنه "علم الإنسان ما لم يعلم". وسيبقى خير جليس في الزمان كتاب يؤنس وحدتنا وينير دربنا في زمن القهر والظلم.
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat