Search result
لا أدري لماذا أثار خطاب نتنياهو الذي ألقاه يوم الأحد الماضي كل هذا الإهتمام والتحليل لدينا نحن العرب والفلسطينيون؟ فقد بات سهلا التنبؤ بما سيقوله أي رئيس من رؤساء العدو الصهيوني مهما كانت إنتماءاته الحزبية أو توجهاته. فنتنياهو ليس أكثر تشددا من اولمرت مثلا الذي فاوض وفاوض وفاوض دون ان يقدم شيئا مختلفا عما قدمه اليوم نتنياهو وما قدمه كل من سبقه فكان كما يقول المثل " بيوديك البحر وبيرجعك عطشان". والحقيقة هو أن كل رئيس إسرائيلي يأتي ليترجم الواقع على الأرض شروطا تتوافق مع هذا الواقع وواقع العرب والفلسطينيين اليوم يسمح له بأن يقول كل ما قال وأكثر.
أما سهولة التنبؤ بمحتوى الخطاب فمنبعها أمرين:
أولا : في أي نزاع، يكون لكل طرف من أطراف هذا النزاع ثوابت تمثل خارطة الطريق الخاصة به والتي تشكل دليلا له يستدل من خلاله على طريقه في دهاليز وتفاصيل السياسة. ودولة العدو الصهيوني وضعت لنفسها ثوابتا لم تتزعزع عنها على مدى 61 عاما. أما العرب والفلسطينيون فثوابتهم البعض فصلها وفقا لمصالحه الضيقة والبعض جعل الوقائع والتفاصيل والمراحل هي التي تحدد ثوابته والبعض الآخر لم يضع لنفسه أصلا ثوابتا فتاه في التفاصيل والمصطلحات.
ثانيا : لقد بات واضحا جليا لدى رؤساء العدو الصهيوني الإستعداد المؤكد لدى العرب في الخلاص من قضية الصراع العربي الإسرائيلي بأي ثمن. وبات جليا لديهم الإستعداد المؤكد لدى السلطة الفلسطينية لتقديم تنازلات لم تكن دولة العدو الصهيوني تحلم أن عاقلا يمكن أن يقدمها بدون أي مقابل. وقد جاء خطاب نتنياهو خلاصة فهم عميق للنفسية العربية على مدى 61 عاما التي تمثل عمر الصراع العربي الإسرائيلي. وأول إشارة لبني إسرائيل كانت أوسلو بعد أن وافق الفلسطينيون على نبذ الكفاح المسلح كخيار لإسترجاع حقهم بل والعمل على محاربته في صفوف عناصر منظمة التحرير.
إذا لم يخالف خطاب نتنياهو توقعاتي فما جاء فيه لم يكن مفاجئا. وقد مهد لمحتواه لدى عودته من زيارته الى الولايات المتحدة في أيار 2009 فقد قال وقتها "أن تل أبيب مستعدة أن تبدأ فورا محادثات سلام مع سوريا والفلسطينيين، وتوسيع دائرة التفاوض لتشمل دولا عربية أخرى "دون شروط مسبقة" لكن وفق حل "يتفق مع الاحتياجات الأمنية لإسرائيل". وبهذا فهو لم يلتزم بأي صورة من الحلول التي كانت مطروحة لا المبادرة العربية ولا خارطة الطريق ولا غيرها وحدد الإطار الذي ستدور في داخله أية مفاوضات وهو "أمن إسرائيل" دون أن ينسى أن يوضح أن ما ينتظره من العرب والفلسطينيين مقابل ما "يقدمه لهم" أن تتقدم الدول العربية "أولا" بما وصفها "بتنازلات ملموسة".
ولكن خطاب نتنياهو جاء لا شك لطمة على وجوه كل من راهن على "عملية السلام" ثم لحقتها اللطمة الثانية لكل من راهن على خطاب أوباما في القاهرة فجاءت مصادقة ومباركة الولايات المتحدة على كل ما جاء في الخطاب.
أما الأمر المثير للسخرية فهو أنه ورغم أن نتنياهو لم يقدم للفلسطينيين شيئا إلا أن رد نواب اليمين في الكنيست على ما جاء في خطابه "الغضب وعدم الرضا" لأن نتنياهو في رأيهم مضى لحد الإقرار بقيام دولة فلسطينية. وأما المعتدلون منهم فقد إعتبروا أن نتنياهو خطا خطوة كبيرة بإتيانه على "ذكر" دولة فلسطينية.
هذا يعني "أننا رضينا بالهم والهم مش راضي فينا".
ماذا قدم لنا نتنياهو؟ لا شيء
دولة فلسطينية منزوعة السلاح (وقد سمح لنا بعلم ونشيد وطني) شرط اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية
لا عودة للاجئين.
القدس عاصمة إسرائيل وستظل موحدة
لا بناء لمستوطنات جديدة أو مصادرة أراض لإقامة مستوطنات دون الإشارة إلى التوقف عن توسيع المستوطنات القائمة.
ومقابل سخائه هذا أعرب نتنياهو، بكرم بالغ، عن استعداده للقاء القادة العرب في دمشق أو بيروت أو القدس داعيا إياهم إلى تحقيق ما أسماه سلاما اقتصاديا. حتى أنه سمح لنفسه أن يطالب المستثمرين العرب بالاستثمار في إسرائيل والأراضي الفلسطينية لمساعدتها ومساعدة الفلسطينيين على إقامة مشاريع تشغل آلاف العاطلين ومناطق سياحية في أريحا والبحر الميت والمغطس على نهر الأردن وغيرها.
بكل بساطة، لماذا يعطينا نتنياهو ما يعلم تماما أنه يستطيع الإحتفاظ به دون تهديد أو خطر يحسب من ناحيتنا؟
لقد بدأ النهم الإسرائيلي الصهيوني يشتد منذ أن ذهب السادات بعد إنتصار أكتوبر الى القدس "وكأنه يصادق على أنها لهم"، ذهب هو إليهم وهو المنتصر في حرب أكتوبر مضيعا أرواح الشهداء وجهد الأبطال.
وصار النهم الإسرائيلي يشتد بعد أوسلو عندما قدمنا لهم أهم شيء ولم يقدموا لنا أي شيء. فقد تنازلنا عن حقنا في الكفاح المسلح لنعلن أن " كل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة سوف يتم حلها من خلال المفاوضات. بل وتمادينا حتى بلغ بنا الحال أن نسمي الكفاح المسلح "عنفا وإرهابا" فأدانت منظمة التحرير استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وأخذت على عاتقها إلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بذلك من أجل تأكيد التزامهم ومنع الانتهاكات وفرض الانضباط لمنع هذه الانتهاكات.
كل ذلك مقابل ماذا، مقابل أن يعترفوا بنا؟ ليتهم فعلوا بل "قرروا" الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل للشعب الفلسطيني، وأدخلونا في دوامة مصطلح لم نفهمه آنذاك واليوم نعيش آلامه وهو "إطار عملية السلام في الشرق الأوسط" وهومصطلح فضفاض هلامي يعني إستمرارية لا نهاية لها لعملية التفاوض.
إن اللافت في كل المقترحات والحلول التي طرحها العدو الصهيوني او أمريكا أو المجتمع الدولي هو أنها جميعها بدون إستثناء تبدأ بشرط أساسي وهو "نبذ غير مشروط للعنف والإرهاب من طرف الفلسطينيين". الا يعني هذا أن إسرائيل تفهم تماما قيمة السلاح ودوره في أية مفاوضات ولذلك فهي تسعى الى تحييده بكل الوسائل وتسعى الى قتل ثقافة المقاومة لدينا؟
وإذا كان العرب قد قالوا لإسرائيل أثناء عدوانها على لبنان في تموز 2006 إفعلوا ما تشاؤون فلماذا نستغرب اليوم أن يكون خطاب نتنياهو كما سمعناه؟
وإذا كان العرب والسلطة الفلسطينية قد قالوا لإسرائيل أثناء عدوانها على غزة في كانون الأول 2008 إفعلوا ما تشاؤون فلماذا نستغرب اليوم أن يكون خطاب نتنياهو كما سمعناه؟
سنوات من التنازلات وما زال النهم الإسرائيلي لمزيد من هذه التنازلات لا ينتهي طالما أن إسرائيل تستشعر أنه بالإمكان الحصول على المزيد. فلماذا نستغرب اليوم أن يكون خطاب نتنياهو كما سمعناه؟
سيف فليشهر في الدنيا ولتصدع أبواب تصدع
الآن الآن وليس غداً أجراس العودة فلتقرع
أنا لا أنساكِ فلسطين ويشدّ يشدّ بي البعد
أنا في أفيائكِ نسرين أنا زهر الشوك أنا الورد
سندُكُّ ندكّ الأسوارا نستلهم ذاك الغار
ونعيد الى الدار الدارا نمحو بالنار العار
فلتصدع فلتصدع أبواق أجراس تقرع
قد جن دم الأحرار
الآن الآن فليس غداً أجراس العودة فلتقرع
من منا ما زال يشتعل حماسا عندما يسمع فيروز تغني هذه القصيدة بل من منا ما زال يذكرها؟؟؟؟ من منا ما زالت القدس في قلبه ووجدانه زهرة المدائن؟ من منا عيناه ما زالت ترحل الى القدس كل يوم تمسح الحزن عن مساجدها وتعانق كنائسها؟ من منا ما زال يذكر أنها مسرى الرسول صلى الله عليه وسلم؟ من منا ما زالت عيناه تبكيان لأجل من تشردوا وما زالوا يشردون وتبكي لأجل الأطفال الذين بلا منازل؟ من منا ما زال يذكر ويجل من دافع وأستشهد في مداخل القدس؟ من منا ما زال الغضب الساطع يشتعل في قلبه وكله إيمان أن القدس بمقدساتها ومنازلها وشوارعها وأزقتها وحاراتها لنا نحن العرب (بمسلمينا ومسيحيينا)؟ من منا ما زال الغضب الساطع يشتعل في قلبه وكله تصميم على أن يعيد بهاء القدس بيديه؟
نعم، حين داست القدم الهمجية الأرض المقدسة وهوت مدينة القدس إستوطنت الحرب في قلوب الدنيا، فمتى ستمحو يا نهر الأردن أثار القدم الهمجية؟!
تلك قصيدة غنتها فيروز في العام 1966 ، ومنذ أن غنتها أصبحت قصيدة الأحرار حتى زمن طويل. كنا إذا سمعناها إشتعلنا حماسا ولكنني ما عدت أسمعها اليوم ومنذ زمن لا بأس به فهل إنقرض الأحرار؟ أم أن دماءهم بردت وما عادت تجن فما عادت فلسطين في الذاكرة وما عاد البعد عنها يشدهم وما عاد الهدف دك الأسوار ولا إعادة الدار ولا محو العار؟ أين ذهب الإصرار على (الآن - الآن)؟؟؟
كانت تلك طريق العودة الوحيد الى فلسطين التي يعرفها الأحرار رجالا ونساء وشيوخا - وظل إيمان شيوخ فلسطين بأن "العودة الى حضن بيوتهم التي غادروها قسرا مخلفين فيها ذكريات عمر بحاله.... آت .... فظلوا محتفظين بمفاتيح بيوتهم العتيقة في جيوب قنابيزهم يتحسسوها كلما إشتد شوقهم إلى بيوتهم.
تلك كانت قضية فلسطين. قضية شعب اغتصب وطنه بفعل البطش والمجازر وشرد شعبه بفعل جرائم الطرد الجماعي، قضية شعب له الحق في التحرر من إحتلال كيان أوجده وروج لأسطورته الزائفة آخرون.
ولإسترداد هذا الحق المسروق انطلق الرجال والنساء بلا تردد (عربا وفلسطينيين) مرددين (الآن الآن وليس غدا) فقد كان الحر لا ينام عن حق مسروق له ولا تنام عينه عن كل ما يهدد عرضه وأرضه وماله. حمل الأحرار البندقية وكان الهدف تصفية الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين تحريراً كاملاً.
ولكن فجأة وبعد 15 عاما من اليقين بحق العودة والتضحية في سبيل هذا الحق جاءت كامب ديفيد لتبشر بطريق آخر لإسترجاع الحق وسقط شعار (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) وصار الشعار الجديد (لم تسفك الدماء لإسترداد حق يمكن إسترداده بالتفاهم والتفاوض مع هذا الكيان الصهيوني المحدث)؟؟ (إسرائيل) كما يحلو لهم أن يسموها أصبحت أمرا واقعا كما يحلو لهم أن يرددوا ويروجوا إذا فلماذا لا نتعامل بواقعية مع هذه الإسرائيل فنقبل وجودها وشروطها حتى نتجنب جبروتها؟! ثم تطور هذا المنطق ليتبلور في مصطلح لم نعهده وما كان يخطر ببالنا أن هناك من يجرأ على التعاطي معه سرا فما بالنا اليوم نعيشه علنا .... هذا المصطلح هو "التطبيع".
وقضية التطبيع من اهم القضايا الخلافية التي أثارها الصراع العربي الإسرائيلي عبر سنواته ال 61. فما معنى (التطبيع) ؟؟
ليس التطبيع إفرازا خاصا بالصراع العربي الإسرائيلي فهو صورة من صور العلاقات الدولية، فقد يكون التطبيع بين دولتين لأول مرة ، وقد يكون اعادة للعلاقات التي انقطعت بين دولتين لسبب ما. ولكنه مرفوض في حالة الصراع العربي الإسرائيلي لخصوصية طبيعة الصراع. فأحد أطراف الصراع وهو الكيان الصهيوني ليس دولة طبيعية وإنما هو كيان أنشأ بالاحتلال وبمنطق فرض الأمر الواقع لذا فإن تطبيع العلاقات بينه وبين أصحاب الأرض وبينه وبين محيطه العربي والإسلامي سيثبت شرعية وجوده مما يعني سحب الإعتراف بحق أصحاب الأرض (الفلسطينيون) فيها.
وقد أوجز الأديب الدكتور حسن الهويمـل مفهوم التطبيع بعبارة بسيطة ولكن بليغة عندما قال: ""متى طبعت علاقتها يعني إسرائيل وأزالت من النفوس كرهها ضمنت بقاءها وسيطرتها."" (نقلا عن صحيفة "الجزيرة" السعودية).
فاالتطبيع إذا هو تحويل علاقتنا مع الكيان الصهيوني إلى علاقت طبيعية بالكامل وتصبح بذلك "إسرائيل الصديقة والشقيقة"، بمعنى أن يصير بيننا علاقات اقتصادية، علاقات إجتماعية، علاقات دبلوماسية وعلاقات ثقافية. بل إن البعض من أنصار التطبيع يقترحون أن يكون لإسرائيل مقعد في جامعة الدول العربية.
إذا التطبيع نتيجة من نتائج الاعتراف بالكيان الصهيوني كدولة في أرض فلسطين وترجمة له. وهذا الاعتراف يعني أن حجة هذا الكيان في إحتلال فلسطين صادقة وأن له بالفعل حق تاريخي فيها. وأن اليهود عادوا اليها بإعتبارها أرض بلا شعب مما يعني أن الفلسطينيين لم يكونوا في يوم من الأيام يعيشون على أرضها وبالتالي فإن الشعب الفلسطيني ليس له حق فيها. وهكذا تسقط صفة الإحتلال عن هذا الكيان وبذلك لا يعود هناك قضية وطنية فلسطينية.
لقد كان زرع الكيان الصهيوني جريمة دولية تم التخطيط لكل تفاصيلها مسبقًا. وكانت أسهل وأول خطواتها هو احتلال الأرض وتشريد شعبها بالقوة والإرهاب. ولكن مخططي هذه الجريمة أدركوا أن القوة وحدها لا تكفي لتثبيت هذا الكيان كي يحقق الغرض الذي من أجله تم زرعه في هذه البقعة من العالم. فالقوة لم تنجح في تغيير طبيعة العلاقة بين هذا الكيان وبين الشعب الفلسطيني ولا بينه وبين الشعوب العربية.
فبعد نكسة ال 67 وإستسلام الجيوش العربية وضياع الضفة الغربية والجولان وسيناء في أيام معدودات توهم الكيان الصهيوني وداعموه أنهم بالقوة كسروا روح الإنسان العربي وإرادته. ولكنهم تفاجئوا به يتحداهم ويهزمهم في أول مواجهة له معهم بعد النكسة في معركة الكرامة المجيدة التي شارك فيها الى جانب الجيش الأردني مجموعة من الفدائيين واضطر الصهاينة في نهايتها الى الانسحاب الكامل من أرض المعركة تاركين وراءهم ولأول مرة معداتهم وقتلاهم دون أن يتمكنوا من سحبها معهم. وتلتها بعد ذلك حرب أكتوبر وإنتفاضات الشعب الفلسطيني وحرب تموز 2006 في لبنان وصواريخ المقاومة من غزة رغم الملاحقات والإغتيالات التي طالت قياداتها، ورغم الإجتياحات المتكررة لجيش الإحتلال والتي حصدت شبابا في عمر الورد وأفنت عائلات بأكملها وجرفت خير الأراضي، ورغم الحصار والتجويع والترويع. إذا لم يسقط خيار المقاومة في أي مرحلة من مراحل هذا الصراع المصيري.
هذا يعني أن هذا الكيان المزروع ظل كيانا غريبا. وهذا يعني أن مفهوم (فلسطين السليبة لنا ولن يمنعنا عن إستردادها أي شيء) هو الجوهر والمحرك لهذا الصراع.
لذلك كان من الضروري بالنسبة لأصحاب المشروع الصهيوني أن يلجؤوا الى إستخدام كل الطرق في سبيل تثبيت هذا الكيان بالدرجة الأولى في اللاوعي ثم على ارض الواقع فكانت خطوتهم الثانية في سياق جريمتهم الممتد (تطبيع) ما حدث من إحتلال وتشريد وإجبار الفلسطينيين على الإعتراف بأن وجود اليهود في فلسطين، وليس الفلسطينيين، هو الطبيعي .. فكانت أوسلو.
إن أوسلو أخطر من إتفاقيات كامب ديفيد لأن بها أقررنا نحن الفلسطينيون (أصحاب الحق) طواعية بوجود حق تاريخي لليهود في فلسطين ونحن بذلك لم يعد لنا أي حق بها. لقد صادقنا على أسطورة أنها أرض الميعاد للشعب المختار فكان ذلك إعترافا منا بشرعية الإحتلال لتتحول قضيتنا الى مجرد (تطلعات مشروعة للشعب الفلسطيني) كما وصفها الرئيس الأمريكي أوباما في خطابه الأخير في جامعة القاهرة فتحول صراعنا مع الكيان الصهيوني من صراع وجود الى صراع حدود.
يقول الكاتب والمثقف الإسرائيلي (شلومو رايخ):
ستبقى إسرائيل تركض من نصرٍ إلى نصرٍ نحو هزيمتها، لأن المستقبل لا مجال للتفاوض معه أو تدجينه أو تطبيعه مادامت الأجيال تتناسل، والذاكرة تتوارث، وكذلك أطلال القرى، ونحن حراس الذاكرة، وحراس الوجدان، ومبدئيو الثقافة، وسنذكر الأمة العربية من أقصى الوطن إلى أدناه بأن مئات القرى قد محيت، وأن عشرات المذابح قد ارتكبت، وأن العدو الصهيوني عنصري، ومشروعه يستهدف الأمة العربية، سواء في الجغرافيا أو في مواقع أخرى، وإذا تفاوض العرب على الجغرافيا، فإننا لا نسمح على الإطلاق، ولن يتفاوض حاكم عربي على التاريخ، فالتاريخ لا يتفاوض عليه، والتاريخ هو الكرامة، وهو كل هذا الامتداد العربي منذ عشرة آلاف سنة قبل الميلاد في (أريحا) إلى يوم الناس هذا، هوية عربية لن تنتزع منها إسرائيل، لا بقوة القهر، ولا بقوة الادعاء والأسطورة، تاريخها وكرامتها ومستقبلها.
إن ضياع الحق في فلسطين والقبول بالمخطط الصهيوني لتوطين الفلسطينيين خارج فلسطين يعني أن نعيش ضيوفا على دول ستكون مشكورة لتحملها عبئنا ولكن سنبقى ضيوفا عليها لا حق لنا الا أن نأكل ونشرب ونعمل ونتناسل. والويل من ذل اللجوء فالوطن هو السند وهو الملجأ في أي زمن صعب يمكن أن يواجهنا. والوطن حرية أطفالنا، والوطن حاضنة أحلامنا وطموحاتنا، خارجه نعيش مرتحلين وداخله ترسو سفن عمرنا.
وإذا كانت نتائج التطبيع على الفلسطينيين بهذه الخطورة فنتائجه لا تقل خطورة على الوطن العربي. وتتمثل هذه النتائج في التالي:
أ- إن التطبيع بين الكيان الصهيوني والعالم العربي والإسلامي، سيؤدي لميلاد مفاهيم جديدة تؤدي الى محو الحتمية التاريخية للصراع مع هذا الكيان.
ب- إبقاء المنطقة العربية تحت النفوذ الأجنبي وبقاء الوطن العربي مجزءا ومفرقا جغرافياً (حيث يفصل الكيان الصهيوني آسيا عن أفريقيا).
ث- ضرب التيارات الوطنية لما لها من دور جاد وحقيقي في توعية الجماهير بخطورة التطبيع مع الكيان الصهيوني.
ج- إقتصاديا:
1- إلغاء المقاطعة الاقتصادية العربية وجعل البلاد العربية سوقاً للمنتجات "الإسرائيلية".
2- إستغلال الأيدي العمالة العربية الرخيصة. كذلك الحصول على المواد الخام من البلدان العربية القريبة ثم تعيد تصديرها مصنعة إلينا.
3- استثمار الثروة المائية العربية خصوصا أن الخبراء يتنبؤون بـ (مجاعة مائية) في السنوات المقبلة وبالتالي سيكون الصراع محتدما على المصادر المائية.
4- التغلغل الاقتصادي في العالم العربي وتخريب اقتصادياته لتضمن تفوقها الإقتصادي ولتقضي على أية محاولات لإقامة مشروع تنموي عربي.
5- إقامة علاقات طبيعية مع الدول العربية المنتجة للنفط ، مما سيؤمن احتياجات الكيان الصهيوني من الطاقة.
6- التقليل من الموازنة المخصصة للانفاق العسكري والتي تمثل الجزء الأكبر من ميزانية الكيان الصهيوني ، وبالتالي توجيه هذا الوفر الى فرص للتنمية الاقتصادية .
7- تنمية قطاع السياحة والذي يعتمد أساسا على الامن والاستقرار، ولن يتحقق هذا الأمن الا من خلال اقامة علاقات طبيعية مع الدول العربية .
د- ثقافيا وتربويا :
•1- إسقاط ثقافة المقاومة وقتل روح الجهاد والدفع بإتجاه القبول بالكيان الصهيوني كأمر واقع.
•2- إن أخطر ما يحدث اليوم التطبيع المحموم على الصعيد التربوي. فقد إمتدت عمليات التطبيع الى جيل الشباب من خلال معسكرات تجمعهم مع طلاب صهاينة. هذه المعسكرات تستمر لأسابيع وتعلمهم كيفية " العيش المشترك" وحل النزاعات سلميا.
•3- كما أنها إمتدت الى إحداث إنقلاب في مواد التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا في محاولة لمسح ما ترسخ في عقول ووجدان طلابنا بان فلسطين ارض مغتصبة.
•4- منع الكتب التي تفضح اليهود وحقيقتهم وتوجهاتهم. وكذلك تلك التي تذكر بالقضية الفلسطينية.
•5- محاربة المفكرين والأدباء والمثقفين الوطنيين من العرب والذين يحاربون التطبيع ومصادرة أعمالهم. وتشجيع دعاة التطبيع من الكتّاب والمؤلفين ليؤدوا دورهم في تحقيق أهداف الحركة الصهيونية من خلال إفساد عقول الناس وثقافتهم.
إن التطبيع مع إسرائيل هو روح المشروع الصهيوني. فحتى أيام مضت طالبت الولايات المتحدة على لسان المتحدث باسم الخارجية الامريكية يان كيلي الدول العربية بـ "خطوات ذات معنى نحوالتطبيع مع اسرائيل", في الوقت الذي تركزت فيه محادثات وزير الدفاع الاسرائيلي والمبعوث الامريكي للشرق الاوسط على "اجراءات التطبيع العربي - الاسرائيلي, كشرط لأي مفاوضات". لذلك فإن علينا جميعا (فلسطينيون وعرب) مقاومة كل أشكال التطبيع السياسي والإقتصادي والصتاعي والزراعي والسياحي والثقافي والتصدي لها بكل الوسائل مع تمسكنا بقيمنا وثقافتنا وحقنا بمقاومة كل أشكال الهيمنة والاحتلال، إلى حين إعادة الحق لأصحابه.
أخيرا، يحضرني هنا توصيف بليغ للتطبيع للكاتب أحمد حسين هذه مقتطفات منه: "إن التطبيع يعني عالما جديدا ليس فيه فلسطين ولا فلسطينيون. وفي ظل الإجماع العالمي على وجوب موت الشعب الفلسطيني موتًا ذاتيًّا بالتطبيع، ليكون موته مقنعًا. ..... ما الذي سيخسره الشعب الفلسطيني إذا قال بطريقة من الطرق وهي كثيرة جدًا: لن نقبل بأقلّ من حقنا الطبيعي على كامل فلسطين، وافعلوا الآن ما شئتم. سنقيم في حقنا التاريخي الكامل، حتى نصبح قادرين على استعادة حقنا..... نشرة كنعان الألكترونية / العدد 1951
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat