Search result
مقالي هذا إستكمال لمقالي السابق "المعرفة بين المهد واللحد"، الذي كنت قد بينت من خلاله بأن مفهوم "بزوغ عصر المعرفة" ليس دقيقا وأن أهمية المعرفة وضروراتها للتنمية والتقدم والحضارة رافقت آدم عليه السلام عند نزوله الى "العالم الجديد - الأرض" وبدونها كان سيكون عاجزا عن التعاطي مع حياته الجديدة. ثم أنهيت المقال بأن تلقي طوفان المعلومات المترتب على عصر "ثورة المعلومات والإتصالات" وتعلم إستخلاص المعرفة منها هو أحد أهم معوقات التنمية والتقدم في عالمنا العربي.0
إن إستخلاص المعرفة يقتضي بداية السعي اليها بالتعليم أو بالقراءة الشخصية، وسأتناول في هذا المقال "القراءة" وذلك إنطلاقا من تحفظي على إتهام ظالم لأمة إقرأ وهي أنها لا تقرأ. وأنا بقولي أنه إتهام ظالم لا أنفي أنه إتهام في محله تؤكده الأرقام، وتشهد به الإحصاءات، ولكنه إتهام مصحوب دوما بالتقريع واللوم بعيدا عن التفهم اللازم لأسباب هذا الحال الذي آلت اليه أمة إقرا.
دعوني أولا أعرض مجموعة من الحالات جمعتها من خلال أسئلة وجهتها لبعض الأقارب والمعارف ممن لديهم أبناءا في المدارس سواءا الحكومية أو الخاصة.
سجى، هي الآن طالبة جامعية ولكن والدتها تقول أنها خلال فترة دراستها الثانوية فازت بجائزة البحث العلمي لثلاث سنوات على التوالي. وقد تم الإحتفاء بها ثم خبى كل الصخب ووضعت وزارة التربية والتعليم البحث في أدراجها ولم تصدر حتى شهادة تفيد تفوقها. الموجع في الأمر أنها عندما تقدمت للجامعة بمعدل يفوق ال 97% لم تستطع الحصول على مقعد في كلية الطب في الجامعة الأردنية فقررت أن تستفيد من تفوقها العلمي لتحصل على إستثناء ولكنها صدمت عندما علمت أن الإستثناء يمنح فقط ل "التفوق الرياضي" و "التفوق الموسيقي".
أحد الأساتذة الأفاضل ويعمل أمينا لمكتبة مدرسية أكد لي أنه لا توجد حصة مخصصة للمطالعة وفقا لمنهج وزارة التربية والتعليم. وللأستاذ قصة أخرى تخص إبنه الذي، وأنا أنقل عنه، قد توصل لنظرية جديدة في علم الجينات وقد حاول عرضها على أي من مراكز الأبحاث العلمية فلم يحصل حتى على فرصة أن يقابلوه ليطلعوا على ما لديه.
عبد الله، طالب في أحد صفوف المرحلة الإبتدائية في إحدى المدارس الخاصة الحديثة، عند سؤاله عما إذا كان جدوله الدراسي يتضمن حصة خاصة للمطالعة، أجاب بنعم وأن المدرسة تعطي لكل طالب قصة ليقرأها في بيته دون تخصيص حصة لمناقشة مضمونها وأهدافها لأن المدرسة لا تقرأ القصص التي توزعها على الطلبة. وفهمت من والدته أنه إذا لم يفهم الهدف من وراء أي من هذه القصص فإنه لا يلجأ لمدرسته لتساعده في فهمها فلما سألته عن السبب أجاب بأنها عصبية ولا تسمح بأي سؤال حول ما يقرؤون.
واحدة فقط من الحالات كانت حصة المطالعة ومناقشة ما قرىء جزء من المنهج ولكن تبين لي أن الطالب يدرس في مدرسة أجنبية.
إن العقل هو مناط التكليف في القانون الإلهي والوضعي لذا فإن التعليم لا بد أن يستند على تدريب الطالب منذ الصف الأول على إستخدام العقل بطريقة علمية بعيدة عن التلقين تمكنه من التلقي ومن ثم التفكر والتحليل وصولا الى الإستنتاج والفهم والنقد.
والقراءة هي أول سبل الطفل للتعلم الحر. من خلالها يدخل الطفل عالما جديدا غير بيته ومدرسته وبه ينمي خياله وفضوله ويوسع مساحة السؤال لديه وتلك أولى خطوات التحليل والفهم ومن ثم الإبداع بصرف النظر عن حجم هذا الإبداع والذي يعتمد على القدرات التي خص بها الله عز وجل كل طفل.
ولكننا نحتاج الى أن نحبب هذا الجهد للطفل ليتحول الكتاب من عدو الى صديق. يقول " جيمس تريليس - متخصص فــي تفعـيل دور القراءة للطفــل تحديداً ومؤلف كتاب Read-Aloud Handbook الذي بيع منه مليون نسخة: "نحن نقوم بتعليم أطفالنا القراءة جيدا في المدارس، ولكننا ننسى الأهم وهو تعليمهم حب القراءة ". إن تحبيب القراءة للطفل وتشجيعه عليها تحولها مع الزمن الى عادة أصيلة نابعة من الذات ولكننا نجد أن الأسرة والمدرسة ترى أن الأهم من القراءة هو متابعة الدروس والنجاح بتفوق.
كما أن الطفل في خطواته الأولى نحو القراءة يحتاج الى من يتفاعل معه فيما يقرأ ليتعلم طريقة إستخلاص معرفة مفيدة مما يقرأ ويتدرب على تطبيق تلك المعرفة في واقعه الخاص والعام، فالقراءة الواعية تحميه من أن يتحول الى مردد لما قرأ - كما يحدث في مدارسنا - دون أن يفهم أو وعاء لآراء الغير وتمكنه من الأدوات اللازمة لتشكيل رأي خاص به. بمعنى آخر، تدريبه على التفكير العلمي فيما يقرأ حتى لا يبقى ما يقرأ مجرد معلومات مخزنة في الدماغ دون أن تتحول الى معرفة قابلة للتطبيق في تطوير عقله، وشخصيته، وآرائه ومعتقداته، ومهاراته وقدراته.
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat