Games

Members

Ads

Blogs

Photos

Videos

Music

Groups

Events

Polls

Forums

Articles

Boards

chat
Tags - السحري،
December 31, 1969December 31, 1969  0 comments  Uncategorized

 

نشرت القصة في صحيفة السبيل  

استأذنتني في أن نغادر الكوفي شوب؛ لأنها تشعر بضعف تجاه الألحان التي تسمعها، فهي تتوق إلى الاستماع إليها وتذوقها، ثم بدأت تحكي همس نفسها.

 
الموسيقى حلال أم حرام - جدل لم يتوقف على مدار السنين. وأنا لم أستثن نفسي من هذا الجدل منذ أن قررت أن أتحرى كل حرام حرمه الله، وكل حلال أحله الله، ولا أفتأ أدعو.. اللهم أرني الحق حقا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلا وارزقني اجتنابه.

 دو ري مي.. هي أبجديات الموسيقى، وفي توليفة مركبة تتحول هذه الأبجديات إلى جملة موسيقية، ولكنها تبقى بلا حياة، روحها ساكنة في أوتار عود أو بيانو أو في حجرات الناي الضيقة حتى يأتي من يسكن الروح في تلك الجمل بنقرة على وتر أو نفخة في ناي.

 

كنت أسأل نفسي: من ذا الذي تنبه أن وترا أصم يمكن أن يتوارى فيه نغم يستأثر بكل حواسنا؟ وهل هناك أرق وأعذب من موسيقى البيانو، وهل هناك أشهى من موسيقى السكسفون، وهل هناك شقاوة أحلى من شقاوة موسيقى الجيتار، وهل هناك شجن ينافس الشجن الساكن في نغمات الناي؟ 

 

لا أدري ما السر الخفي في الموسيقى، ولكنني بعد تفكير طويل توصلت إلى وصف "علمي" طريف لانفعال النفس التلقائي بالنغم. لقد كنت أجد نفسي في انفعالها بالنغم كبرادة الحديد، لا تستطيع أن تقاوم جاذبية المغناطيس لها، تلقائيا وبلا إرادة، وقبل أن تستدعي مقاومتها، تجد نفسها وقد ترتبت وفقا لقانون الطبيعة ناحية المغناطيس.
كان صباحي (ما ينحسبش من عمري) إذا لم يبدأ بفيروز تغني، بها فقط يتلون نهاري بلون الفيروز الصافي.
وكان موسيقى بيانو (ياني) تحملني على بساط سحري إلى عوالم تخيلتها وعوالم لم يتصورها خيالي.
نعم نفسي تعشق الموسيقى، ففي فضاء النغم تحلق، وهو خمرها الذي به تنتشي.

 
كانت نفسي تسعد بها؛ لأنها تنطق بلغتها، وتهمس بما يجري في داخلها من نزوات ورغبات وانفعالات. فهي تطرق باب المشاعر، والمشاعر هي أرجوحة النفس في الفرح، وسياطها في الحزن والشجن.

 فالموسيقى أحيانا تثير رياحا تهب في العقل، فتشعل نار خيالي الجامح الذي يمد يده لكل فكرة خجولة تسكن في العقل، يغويها بالأفق الرحب الذي سيحملها إليه فتمتطي سرجه خالعة ثوب الخجل الضيق. يحلق بها عاليا عاليا، يراقصها على إيقاع النغم، وما أسعد نفسي بتلك الغواية.

 
وهي أحيانا أخرى تتسلل إلى السراديب المغلقة المظلمة داخل العقل، تكسر أقفالها وتحطم أبوابها، وتنفخ فيها ريحا شيطانية، فتدب الحياة في ذكريات دفنها العقل في حضن النسيان، تنادي أهلها... استيقظوا. فتصحو، غذاؤها تلك المشاعر المتخمرة في صناديق النفس. تحمل هذه المشاعر تلك الذكريات وتطوف بها في أرجاء الجسد محمولة على إيقاع النغم القادم من الأذن، فيسكبها تارة في العينين دموعا، وتارة أخرى يؤجج بها نيرانا سكنت تحت رماد الأيام، فيحترق بها القلب، ويغلي فيه الدم المسافر إلى الخلايا ليرفع درجة حرارة الرسائل التي تتبادلها خلايا الدماغ، وتصبح الجمجمة جحيما لا يحتمل. وما أسعد نفسي بهذا العذاب. 

 

باختصار شديد، الموسيقى هي البساط السحري الذي يحملني إلى أرض تسمح لنفسي بأن تعيش أحلامي المحرمة، وتبوح بكلماتها المكتومة، وتفجرغضبها الكامن، وتذرف الدموع، وهي تعلم أنه لن يسألني أحد عنها. وفيها تصبح مشاعري فرسا جامحا لا لجام يضبطها، وتلك سعادة نفسي وعذابها ولكن يكفيها أنها تنفعل بلا رقيب ولا ضابط يلجمها أو يؤنبها أو يحاسبها. فالموسيقى تجاري همسها لذا فإن نفسي تصادقها، تتوحد معها، تذوب فيها، وتنقاد لها بلا إرادة لتصبح خارجة عن القانون - أقصد القانون الإلهي.

 
فجأة تنبهت إلى حقيقة موجعة، فقد أدركت أن الموسيقى تملك مفاتيح نفسي بصورة غريبة غامضة، ولا أدري بأي حجم ولا إلى أي حد، فهي تنقلها من حالة فرح إلى حالة حنين ووجد إلى حالة من الحزن الشديد، وقد تفصلها عن العالم الخارجي، فقط بتغير إيقاعها. ما يذكرني بحكاية "عازف المزمار السحري" الذي سحر الفئران بالموسيقى التي عزفها على مزماره؛ فتبعته الفئران، ورغم أنها رأت البحر أمامها إلا أنها بقيت منتشية طربانة، وسار بها إلى النهر؛ فغرقت فيه.

 
يقولون إن الموسيقى تريح النفس، ولكنهم لم يقولوا إنها راحة وقتية تغادر النفس بانتهاء الإيقاع. بل إنني ما عدت أقدر على إقناع نفسي أن راحتها الدائمة لا تكون إلا في رحاب الله، في ذكر الله. فالاستماع والاستمتاع بالموسيقى لا يحتاج منها إلى أي جهد؛ لأنها تستسلم للنغم بلا مقدمات. أما الاستماع والاستمتاع بالقرآن والصلاة يحتاج منها إلى جهد التركيز والخشوع، وهي التي تميل بفطرتها إلى الانفلات، وفوضى الحركة بين نزواتها ورغباتها، تهرب من كل ما يضبط تلك الفوضى لذلك فقد بدأت تستحب الراحة بالموسيقى، ويثقل عليها القرآن قراءة أو في الصلاة.
وأدركت أيضا أن الموسيقى لا تغادر النفس قبل أن تترك جحافل صخبها تعسكر في القلب، فلا يبقى مكان للاطمئنان ولا للخشوع. 

 
فهل بقي لي عذر في ألا أنحاز إلى الرأي الذي حرمها؟ 

 
ولكن كيف لي أن أقنع تلك النفس الراكعة أمامي تتوسل بهمسها تارة، وتنذر عابسة بالعصيان والتمرد تارة أخرى؟

 
نظرت بإشفاق إليها وهي تنتحب وسألتها: كالنار في الهشيم دخلت الموسيقى في كل بيت، في كل وقت، فهل ستصمدين؟

 
توقفت عن البكاء وردت بأسى: لماذا تنحازين لمن حرمها، ولا تنظرين في رأي من أحلها؟ 
ابتسمت بود ثم قلت لها: هل يمكن لمن غاب في دونية النغم أن يكون حاضرا في علياء الملائكية؟ هل يمكن للإنسان الذي غاب عقله في لذة وهمية أن يعي لذة حقيقية تأتي من حلاوة المعاني في كلام الله والصلاة والحضور الدائم له في نفس الإنسان؟

 
وحتى لو انحزت لمن أحلها، فإنني أعرف بك منك، وأدرى بخلجاتك وضعفك، ولا أريدك أن تسبحي مع النغم في شطحات الخيال بعيدا عن ذكر الله. 

 
وتذكري أنه من رحمة الله أنه ما منعنا من لذة نريدها إلا أنعم علينا بأدوات تعوضنا عنها بلذة أكبر وأحلى وأنفع. تذكري قوله تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

 جففت دموعها وبدأت تهدأ. تابعت فقلت: وسنبدأ من اليوم في رياضة لطيفة فيها ترفيه وترويح عنك.

 نظرت إلي تنتظر أن أكمل، فقد نجحت في لفت انتباهها، قالت: ما هي؟ قلت لها سنبدأ يومنا من الآن فصاعدا برياضة المشي، فالمشي يقتل الطاقة المتفجرة من الهم والفكر العليل، والهواء الطلق ينعش العقل، ويزيد دفق الدم في شرايينه، فيستعيد قدرته على التفكير السليم بعد أن غيم عليه ضباب القلق.

 وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

 

 

 


Description
s_abuhejleh
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة
Categories
Powered by:
Hakaya Technologies.
Copyright © 2012 Hakaya Technologies.