Search result
كثرت الدعوات التي تنادي برفع الظلم الواقع على المرأة عبر الندوات والمؤتمرات ووسائل الإعلام. وبدأت هذه الدعوات بعنوان عريض وهو (حقوق المرأة) ولكن يبدو أن هذا الشعار كان سلميا وغير مستفز فلم تتلقاه النساء بحماس فتغير العنوان ليصبح (رفع الظلم عن المرأة) لعله يلقى صدا أكبر وتمت صياغة ملامحه في الأمم المتحدة في إتفاقية سميت (إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة إختصارا بـ (سيداو)) والتي في الأساس الذي بنيت عليه وفي كثير من بنودها تخالف الشريعة الإسلامية. وقد أثارت سيداو سجالا واسعا في المجتمع الأردني نظرا لما تطالب به من إتخاذ جميع التدابير بما في ذلك التشريع لإبطال كافة الأحكام واللوائح والأعراف التي تميز بين الرجل والمرأة من قوانينها وان تستبدل بها قوانين تؤكد القضاء على هذه الممارسات سواء أكانت صادرة عن أشخاص أو ناتجة عن تقاليد أو أعراف دون استثناء حتى تلك التي تقوم على أساس ديني مما يترتب عليه أن تصبح جميع الأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء لاغيه وباطلة وهذا مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية.
ونظرا لأن من تصدى للإتفاقية كانوا في غالبيتهم من علماء الدين ولأنه لا يزال لعلماء الدين دور كبير في الحراك الإجتماعي والسياسي والاقتصادي للأفراد فقد وجد أصحاب تلك الدعوات أنه لإعطاء الإتفاقية غطاءا شرعيا وقبولا إختياريا لدى الناس لا بد من ممارسة الضغوط على علماء الدين ليوفروا هذا الغطاء. لذا تركزخطاب هؤلاء حول المناداة بتجديدِ الخطاب الإسلامي ومطالبة علماء الأمة بالعمل بجرأة على إعادة النظر بقوانين الأحوال الشخصية ومراجعتها لأنها لم تعد تناسب العصر ولتتناسب، وفقا لهم، مع مفهوم (الوسطية) التي ينادي بها الإسلام وكأن ما شرعه الله منذ 1430 سنة أصبح اليوم باليا (والعياذ بالله). وقد أصبح مصطلحات كالتجديد والحداثة والوسطية متداولة بصورة واسعة ولم يكن الهدف من إطلاقها الا إسقاط بعض تكاليف الإسلام وإلغاء أو تمييع بعض أحكامه؛ بدءا بالجهاد بإعتباره تطرفا وعنفا وإنتهاءا بقوانين الأحوال الشخصية بإعتبارها ظلما واقعا على المرأة.
لا شك أن حقيقة أن الإسلام "صالح لكل زمان ومكان" تجسد حيوية هذا الدين ومرونته وقدرته على إستيعاب كل متطلبات الحياة الانسانية منذ خلقها وحتى قيام الساعة. وهذا يبين أهمية التجديد في الإسلام وذلك لملاحقة متغيرات العصر وتحدياته المتجددة والمتسارعة التي تفرضها الثورة الحادثة في كل مجالات الحياة، في الطب والهندسة الوارثية والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة الدولية والاتصالات وغيرها.
ولكن الإسلام أيضا وقبل كل شيء نظام شامل ومتكامل للحياة الإنسانية مما يعني أن فيه ثوابتا لا تقبل التجديد تحت ضغط تغير الواقع أو تطوره . كما أنها تعني أن مرونته التي تسمح بالتجديد فيه ليعالج المتغير من الأمور تقتصر فقط على ما لا يمس بهذه الثوابت وبحيث يؤدي التجديد في كل مرة الى خدمة الثوابت والمحافظة عليها ويسهم في تحقيق الغاية التي من أجلها شرع الله الإسلام دينا خاتما.
أما من يحدد الثابت (الأصول) الذي لا يمس مهما تغير الزمان أو المكان والمتغير (الفروع) الذي يتطلب إعادة النظر فيه ليوائم إحتياجات الزمان والمكان هم ذوي الإختصاص فقط ممن تتوفر فيهم مواصفات محددة شأنهم شأن كل التخصصات الأخرى كالطب والهندسة والفلك وغيرها. والمقصود هنا علماء الدين، قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون) فلابد ان نحترم تخصص العالم بقضايا الشريعة وألا نسمع لغير ذوي الإختصاص من الجهلاء أو الأدعياء ممن يرفعون شعارات التجديد والحداثة والوسطية والا كانت النتيجة كارثية تنعكس على الأمة الإسلامية كلها.
إن قانون الاحوال الشخصية في الأردن، والذي تقضي سيداو بإلغائه، مستمد من الشريعة الاسلامية ، وهو يعتمد اصولا اساسية لا تحتمل التغير كقواعد الميراث ومبدا عقد الزواج والقوامة للرجل في الاسرة ومبدا الطلاق ومبدا وجوب النفقه على الزوج وهذه مبادئ اساسية لا مجال للتغير فيها.
إن التجديد ضرورة لا غنى عنها في الفقه الإسلامي كما أوضحت من قبل شرط أن نخضع الواقع لشريعتنا لا أن نخضع شريعتنا لهذا الواقع ودون أن يكون هاجسنا أن نثير إعجاب أحد أو أن نفصل أحكامنا بما يرضى عنه الآخر أو يرضي أهواءنا ودون أن ننسى أبدا أن الأصول في الشريعة لا تخضع للمساومة مهما كان الثمن.
تم نشر المقال في صحيفة السبيل
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat