Search result
بينت في الجزء الأول من مقالي أن "أمة إقرأ لا تقرأ" إتهام ظالم لأنه لا ينظر بعدل الى الأسباب التي جعلت العرب يعزفون عن القراءة. وبينت أن عزوف الطفل عن القراءة سببه أن البيت والمدرسة لا يقومان بتشجيعه على القراءة الواعية وتحبيبها له لتصبح عادة أصيلة تابعة من الذات.
فإذا إنتقلنا الى المرحلة الثانوية نجد أن المطالعة ظلت حصة مستبعدة، والأبحاث التي يطلب من الطالب كتابتها في الغالب لا تقرأ من قبل المدرسين مما دفع الطالب للقيام بنسخها دون قراءتها. والحال نفسه في التعليم الجامعي. وفي هذا السياق، فقد بين تقرير المعرفة للعام 2009، أن معدل الإنفاق الحكومي على البحث العلمي في معظم الدول العربية لا يتعدى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لا تحفز على القراءة والبحث.
ومع ضعف الإنفاق الحكومي يغيب أثرياؤنا أيضا عن توظيف جزء يسير من أموالهم لدعم البحث العلمي. يحكي د. أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء للعام 1999 أن جوردون مور مؤسس شركة إنتيل والذي تقدر ثروته بحوالي 20 مليار دولار قرر أن يمنح جامعة كالتك، التي تخرج منها 600 مليون دولار وذلك إمتنانا منه لها شرط أن تقدم بحثا غير عادي. ويذكر د. زويل أن مور قال له: كم من المال تعتقد أنه سيتكلف مشروعك؟ أجاب: 20 مليون دولار. قال له اكتب لي صفحتين فقط بأفكارك والميزانية وبالفعل حصل د. زويل والجامعة على المبلغ لإجراء البحث. يقول د. زويل: لولا هذا المبلغ الذي تبرع به جوردون مور ما كان باستطاعتنا أن نحقق القفزة التي أنجزناها في ثلاث سنوات فقط"
وإذا إنتقلنا الى الأسباب الأكثر وجعا، فما زالت الأمة العربية ترزح تحت وطأة الأمية والفقر والبطالة والفساد وكل ما يقال عن إحراز أي تقدم في مجالات النمو هو من باب الدجل السياسي للنخب الحاكمة لتغطي عجزها أو تقصيرها أو فسادها. هذه الهموم التي يعيشها الإنسان العربي هي سبب أساسي لعزوفه عن القراءة.
تشير التقارير أن أكثر من ثلث العرب يعيشون تحت خط الفقر. وفي الأردن يقدر معدل دخل الفرد السنوي بـ2700 دولار أي ما يعادل نحو 159 دينار شهرياً في بلد يبلغ فيه خط الفقر العام 504 دينار مما يعني أن دخل الفرد لا يكفي لتغطية حتى ثمن حاجاته الأساسية.
أما البطالة، ففى الوقت الذي لا يتجاوز متوسط معدل البطالة في العالم 6.3% تشير التقديرات إلى إن نسب البطالة في العالم العربي تتراوح ما بين 20 و 25% من مجموع القوى العاملة، وأن الوضع الحالي للبطالة في طريقه "لتجاوز الخطوط الحمراء" كما وصفته منظمة العمل العربية. بل إنه لم تعد هناك دول عربية محصنة ضد البطالة كما كان يعتقد قبل سنوات، وبخاصة فى دول الخليج العربي، حيث يبلغ معدل البطالة فى السعودية، أكبر هذه البلدان تشغيلاً للوافدين، نحو 15%، كما جاء في تقرير المنظمة .
لقد كان من أول ما امتن الله به على قريش قبل أن ينزل الوحي ب "إقرأ" وقبل حتى أن يطلب منهم عبادته، أن أطعمهم من بعد جوع وآمنهم من بعد خوف فقال سبحانه وتعالى في سورة قريش (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).
وحتى إن تجاوزنا مشكلة الفقر والبطالة تبقى الأمية أحد أكبر معيقات القراءة والمعرفة في العالم العربي، فقد جاء في تقرير المعرفة العربية للعام 2009 أن عدد من لا يستطيعون القراءة والكتابة في العالم العربي 60 مليونا في الوقت الذي إحتفلت فيه السويد مثلا بوفاة آخر أمّي فيها في العام 2008. ويضيف التقرير أن 6 ملايين طفل ممن هم في سن التعليم الابتدائي لا يلتحقون بالمدرسة.
أضف الى كل ما سبق، إن شعور الإنسان العربي يأن التنافس بينه وبين غيره لا يقوم على أساس تكافؤ الفرص والكفاءة بسبب إنتشار الواسطة والمحسوبية، فقد يكون من هو أقل في المستوى التعليمي والكفاءة رئيساً لمن هم أكثر منه كفاءة أو خبرة لأنه إبن فلان أو محسوب على فلان، هذا الشعور بالغبن والتمييز يفقد الإنسان الحافز للمعرفة لأنه لا يرى فائدة ترجى.
وأخيرا، فإن الكتاب العربي نفسه سبب في عزوف الناس عن القراءة. ذلك أن التعامل مع الكتاب لا بد أن يكون بإعتباره مادة تثقيفية تخاطب المواطن البسيط وفكره وتعبر عن مشاكله وتطلعاته. ولكن الكتاب العربي يعاني من "أزمة أفكار" وإن وجدت الفكرة فاسلوب عرضها يكون بعيدا عن التجديد والسهولة والمتعة بل وفي كثير من الأحيان بعيدا عن العمق. وهذا ربما يفسر إقبال الناس على إستعارة القصص أكثر من غيرها من الكتب لأنها أكثر قدرة للتعبير عن واقعهم وبأسلوب محبب لهم في غالب الأحوال.
يقول الأستاذ غالب مدير مكتبة شومان أن القصص تتصدر قائمة الكتب المستعارة من المكتبة بنسبة 14.3%.
كما يقول وسام الخولي، الموظف في إحدى دور لنشر أن الروايات الأجنبية تتصدر قائمة مشتريات الفتيات التي تتراوح أعمارهن ما بين 13 - 20 سنة لأنها أكثر إمتاعا.
أما فاتن وهي سيدة تعمل في مجال المبيعات تقول أنها تقرأ باللغة العربية لأنها اللغة التي تتقنها ولكن لا شك في أن الأجانب أبرع في التعبير عن كثير من المواضيع (وهذه كلماتها).
ولو تأملنا القرآن الكريم سنجد أنه رغم نزوله على أساطين اللغة العربية الا أنه نزل بلغة سهلة بسيطة وإسلوب شيق محبب وفيه تروى القصص وتعرض حقائق الكون والوجود والخلق، وهي قضايا فلسفية كبرى وصعبة، تعرض من زوايا متعددة وبحجج مختلفة لذا فإن الإنسان مهما كان مستوى ثقافته لا يجد صعوبة في فهم عموم ما جاء فيه. إن الكاتب والمؤلف يكتب للناس على إختلاف مستوياتهم الثقافية لا لنفسه ولا للنخب لذا فإنه كلما نجح الكتاب في مخاطبة أكبر عدد من الناس كان أكثر جذبا.
نعم "أمة إقرأ لا تقرأ" ولكن الإصرار على أنها تتحمل مسؤولية أميتها الثقافية بالكامل هو تحامل ليس في مكانه. فالشعوب الإسلامية غير العربية من "أمة إقرأ" أبدعت ووصلت الى مصاف الدول الغربية أو في طريقها عندما توفرت لها سبل العيش الكريم والتعليم المناسب والبيئة الصالحة للإبداع وتجربة ماليزيا وتركيا ليست ببعيدة.
إنني لا أبرر أمية ثقافية دفعت بنا الى مكان غير مرئي في قائمة الدول المتقدمة ولا أقول أن الغرق في همومنا يعفينا من مسؤولية النضال وبذل الجهد للخروج منها كل من موقعه. وستبقى "إقرأ" دليلنا الى معرفة أن "ربنا هو الأكرم" لأنه "علم الإنسان ما لم يعلم". وسيبقى خير جليس في الزمان كتاب يؤنس وحدتنا وينير دربنا في زمن القهر والظلم.
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat