My Blog
قرأت مقالكم الذي نشر في صحيفة السبيل بالأمس وقد أحزنني ما جاء فيه من دعوة الى الفرقة في وقت تحتاج فيها الأمة الإسلامية أكثر ما تحتاج الى التوحد تحت راية الإسلام بعد أن مزق جسدها دعوات العنصرية المذهبية والطائفية والقومية وأصبحت كما وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم "كغثاء السيل" لا هيبة لها ولا يحسب لها حسابا. ما كفانا فرقة؟ أما كفى المسلمين فرقة حتى تخرج دعوة جديدة للفرقة تفرق بينهم، دعوة تستند الى الكبر والتعالي؟ سيدي لقد إستنصرت من لا يصلح لقيادة هذه الأمة على من تشير كل الدلائل أنه يصلح لهذه القيادة.
وإرجو أن يتسع صدرك لما سأقول.
أولا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلّغت؟"
هكذا بدأت دعوة الإسلام وهو أول ما لفت إنتباه الناس إليه وجعلهم يدخلون فيه أفواجا. لقد جاء حربا على التمايز بين الناس سواءا بسبب العرق أو القومية أو الطائفة أو اللون. لا عنصرية في الإسلام. فكلنا أبناء آدم وحواء وجاء الإسلام للبشر كافة يخاطب عقولهم وقلوبهم دون النظر الى غير ذلك.
وإذا كان الإسلام قد نزل على العرب فهذا ليس لتميزهم على غيرهم من الأمم، ولا لمكانة خاصة بهم فهم ليسوا شعب الله المختار وإنما نزل الإسلام في بلاد العرب لظروف خاصة بالمكان والتاريخ، لا يتسع المجال هنا للحديث عنها، جعلت نزوله في ذلك المكان هو الأنسب لإنتشار هذه الرسالة الخاتمة.
كل الناس سواسية تحت مظلة الإسلام، فالصحابة كانوا منهم الحبشي كبلال بن رباح وكان منهم الفارسي كسلمان الفارسي الذي قال عنه الرسول الكريم "سلمان منا آل البيت" وكانت صفية إبنة حيي إبن الأخطب زوجة رسول الله رغم أن أبوها يهوديا قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات (13). ثم أن الناس في أفريقيا ومصر والسودان وكذلك من الشام والعراق، كل هؤلاء ليسوا من أصول عربية.
وقد قال الشيخ إبن تيمية رحمه الله : كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية بل لمَّا اختصم مهاجري وأنصاري فقال المهاجري : ياللمهاجرين وقال الأنصاري ياللأنصار، قال النبي صلى الله عليه وسلم (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم)، وغضب لذلك غضباً شديداً.
ثانيا: إن تصدير الأبطال ليس حكرا على أمة بعينها ووجد على مر التاريخ في كل الأمم. فالبطل والزعيم إنتاج لملكات يخلقها الله في تركيبة شخص تعطية القدرة على جذب الناس وتوحيدهم خلف فكرة أو مبدأ، يدعمها بعد ذلك ظروف مجتمعه ونشئته والظروف التاريخية التي ظهر فيها وليس للعروبة بحد ذاتها فضل في إنتاج الأبطال والزعماء. فصلاح الدين الأيوبي بطل إستطاع أن يقود الأمةالى النصر على الصليبيين. ولم يكن صلاح الدين عربيا بل كرديا ولم تخرج في ذلك الوقت دعوات أن لا تسيروا وراءه لأنه كردي. كذلك قطز كان بطلا سار الى حربه مع التتار وسارت من ورائه الأمة كلها ليحقق لها إنتصارا ما زلنا نفخر به الى اليوم. لم يكن قطز عربيا عربيا بل مملوكيا.
ثالثا: إن كل من قال لا اله الا الله محمد رسول الله له الحق في ولاية المسلمين إن كان يصلح للحكم وفقا للشروط التي وضعها الإسلام للحاكم. ولا يعيب الأمة الإسلامية أن تتبع بطلا أو زعيما مسلما يغضب لكرامة المسلمين ويغضب لظلم واقع على المسلمين، بل واجبها أن تتبعه وتدعمه، مهما كانت قوميته أو جنسيته أو مذهبه. فمن قال أن العرب المسلمين هم أصلح للحكم فقط لأنهم عرب؟؟ كل مسلم إستطاع أن يجمع الأمة الإسلامية من مشرقها الى مغربها على كلمة سواء ويسير بها الى الإرتقاء والنصر هو قدوة لنا.
رابعا: هل كان من المناسب أن نعيب على العرب أن يدعموا ويهللوا لأبطال من غير العرب في مثل هذا الوقت بالذات؟ الا نستحي من تسعة شهداء أتراك، وليسوا عربا، قدموا أرواحهم لنصرة غزة ولحماية العرب الذين كانوا على متن سفينة مرمرة التركية؟ الا نستحي من زعيم كان يعلم تماما أنه بتمرده على صداقة إسرائيل البغيضة فإنه كما يقولون قد فتح على نفسه "عش دبابير" لن ينجو من لسعاتها وقد ظهرت بوادرها في حادثة الإسكندرونه وتفجير إسطنبول بالأمس؟ لماذا لا نفرح بأردوغان وهو مسلم غضب لإخوان له في غزة مستضعفون ومظلومون، ولماذا لا نفرح بأردوغان الذي إنتصر لحماس؟
ماذا نريد نحن العرب؟ عندما نصرتنا إيران قلنا لا نريد نصرتها لأنهم من الشيعة واليوم ينصرنا السنة فنعيب عليهم قوميتهم.
لعمري أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان يعلم مقدما، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى، أن هذا الظن سيمر في عقول ونفوس البعض فقدم في حديثه الشريف "العربي" على "الأعجمي" في عدم التفاضل الا بالتقوى.
بدأنا بالقول الأردن أولا، ومصر أولا و.... أولا حتى بتنا في قواقع معزولة لا نملك من أمرنا شيئا وسادت الفرقة بيننا وأصبحنا أمة لا وزن لها. واليوم بدأنا بعنصرية أخرى وهي العرب أولا.
كلنا يعتز بعروبته ولكن هويتنا الأولى ألتي نحملها هي الإسلام وهكذا يكون كل مسلم وهكذا يصبح الإسلام للناس كافة.
من مؤتمر الحوار الاسلامى بمكة الى مؤتمر الحوار الدولى فى مدريد الى المؤتمر الدولى للحوار الذى عقد فى مقر الأمم المتحدة بنيويورك وأخيرا مؤتمرات الدوحة الثمانية والتي عقدت جميعها تحت مسمى (حوار الأديان)، ما زالت الأهداف المعلنة هي نفسها رغم أن النتائج تتسارع من سيء الى أسوأ.
فما جدوى هذه المؤتمرات وما الهدف منها وما نتائجها؟ ...ان الهدف الظاهر من عقد تلك المؤتمرات هو تعزيز السلام العالمى والاقليمى.
ولكن ما يحدث على أرض الواقع لا يتفق مطلقا مع هذا الهدف. والخاسر الوحيد من جراء عقد هذه المؤتمرات هو العالم العربي والإسلامي.
إذ ما زالت الجرافات الاسرائيلية تعبث بالمسجد الأقصى، وما زال تهويد القدس قائم على قدم وساق، وما زال أهل غزة يتعرضون إلى أبشع أنواع الحصار في العصر الحديث، وهناك أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني في سجون العدو الصهيوني، والمستوطنات الإسرائيلية تكاد تقضم كل أرض فلسطين، وما زالت العراق وأفغانستان والصومال وغيرها تصطلي بتيران الناتو، وما زالت الذاكرة مستثارة مما حدث ما حدث عام 2005 عقب نشر صحيفة دانماركية رسوما كاريكاتيرية تسخر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما زالت الحرب على النقاب والحجاب مستعرة، وإن كانت حربا ناعمة، وها هو نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي الحاخام مارك شتايدر يصرح من على أرض إسلامية في مؤتمر الدوحة الثامن لحوار الأديان المنعقد حاليا في قطر أنه: "من المهين لليهود أن يتهموا بإحتلالهم للقدس بصورة غير قانونية". وما زال الغرب يتدخل فيما يحق لنا أن نشرعه في مجتمعاتنا... وغيرها في سلسلة طويلة مما لا يمكن أن ينتج عنه سلم عالمي ولا دخل للدين فيه.
بعد كل هذا، هل حقا أن الهدف من تلك الدعوات هو الوصول إلى التعايش بين الأديان من منطلق الاحترام المتبادل وحرية الاعتقاد، ومن منطلق الإعتراف بحق كل إنسان بحقه في تقرير المصير والحياة الكريمة والحرية؟
تقول مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية سابقاً في مقابلة مع شبكة "أخبار سويسرا اليوم" في شهر نيسان 2007،: "أعتقد أن تفهُّـم التأثير الذي تمارسه العقيدة الدينية في الكثير من الصراعات والنزاعات يعُـد متطلباً أساسياً، يُـعين على إيجاد الحلول لها. وتتابع : أنا أعتقد في الواقع أننا بحاجة إلى إشراك الزعماء الدِّينيين في حل الصراعات، ليس كأطراف مشاركة على مائدة المفاوضات، ولكن كمصادر للتفهم ولكسب مساندتهم في نهاية المطاف للقرارات التي يتم التوصّـل إليها في المفاوضات، لأنه لا يمكن فصل الناس عن معتقداتهم الدِّينية... ".
إذا لا يمكن أن نفصل الدعوة إلى تقارب الأديان عما يجري على الساحة السياسية، ولا أن نفصله عن تهمة (الإرهاب) التي باتت صفة ترمى بها حركات المقاومة التي تجاهد ضد الاستعمار الصهيوني والأمريكي.
أما القول بأن الهدف من مؤتمرات (حوار الأديان) هو اللقاء بين هذه الأديان من خلال البحث عن قواسم مشتركة بينها هو شكل من أشكال التحايل، وضرب من ضروب المستحيل. ذلك أن لكل دين أصوله وثوابته التي لا تخضع لا للحوار ولا للتنازل لأنها أصول يترتب عليها أحكام وتشريعات.
وأما التعايش وقبول الآخر والسلام العالمي، رغم ما في هذه المصطلحات من مطاطية وضبابية، فهو هدف إنساني تسعى اليه الإنسانية جمعاء ويعتمد على السياسييين أكثر مما يعتمد على رجال الدين.
فالإسلام لا يمنع ولا يحرم العلاقة في المعيشة بين المسلمين وغيرهم من معتنقي الأديان، ويدعو إلى الإنصاف والعدل فيها، مع الإحسان والبر، وهل هناك أوسع من هذا المعنى للتعايش؟
لقد كان من أهم توصيات المؤتمرات التي عقدت باسم الحوار بين الأديان أو الحضارات إيجاد جوامع مشتركة في الأديان الثلاثة، تشمل العقيدة والأخلاق، والثقافة، والتأكيد على المشترك الإيجابي بين الأديان أو الحضارات، لأن جميع أهل الكتاب مؤمنون، يعبدون الله. وكذلك إيجاد معان جديدة لكلمات الكفر والشرك والإيمان، والاعتدال والتطرف، والأصولية، بحيث لا تكون تلك الكلمات عامل تفرقة بين أصحاب الأديان. بالإضافة الى العمل على وضع مفاهيم موحدة لقضايا مثل: العدل، السلام، المرأة، حقوق الإنسان، الديمقراطية، التعددية، الحرية، السلام العالمي، التعايش السلمي والانفتاح الحضاري وغيرها. والأخطر من كل ذلك الدعوة الى إعادة صياغة مناهج التعليم، وأهمها منهج التربية الدينية، لتكون بعيدة عن إثارة الأحقاد، بهدف تكوين شخصية منفتحة على الثقافات الإنسانية، ومتفهمة للآخر.
بل لقد وصل الأمر ببعضهم أن طالب المسلمين بالتخلي عن القرآن كشرط لنجاح هذا الحوار.
إن التناقض بين الأديان قضية غير قابلة للحل. لذا فإن القرآن الكريم قد هيأ لئلا ينقلب هذا التناقض الى صراع دموي بقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}[الكافرون:6]، أي أن يعترف كل صاحب ديانة بحق الآخر أن يؤمن أن دينه هو الحق وأن دين الآخر باطل، دون أن يقف منه موقف عداء أو إجبار، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ..}[البقرة:256] ، وإنما من حقه أن يدعو الى دينه "بالحكمة والموعظة الحسنة" أدواته الحجة والبرهان ليكشف مواطن الحق والباطل في دين الآخر.
لا يختلف اثنان على أن الحوار مع الآخر، مع التقيد بضوابط أساسية، لن يضر مصالح الشعوب الإسلامية، ولكن حوار الأديان لم يكن يوما خيارا إسلاميا، وإنما هو مشروع فرض على الدول الإسلامية بالتحديد مما يجعله كلمة حق أريد بها باطل.
إن الحق بين وإن الباطل بين، وعليه فإن السلم العالمي والتعايش السلمي لا يمكن أن يسودا العالم الا إذا أقرت الدول الكبرى بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وأعيدت الحقوق الى أصحابها وكفت هذه الدول عن حصد أرواح الأبرياء والعبث في مقدرات البشرية سعيا لحماية مصالحها وتحقيقا لمطامعها. والا سيبقى هناك دوما من يضعون أرواحهم على أكفهم مضحين بالغالي والنفيس لإستعادة كرامتهم قبل حقوقهم وهذا هو العدل.
كنت أنا ووالدتي وأخواتي نجلس في أحد المولات، وفجأة دخلت تتهادى بخيلاء بقدها الممشوق، وطولها الفارع، ينسدل شعرها الذهبي على أكتافها بلا قيود، وبشرتها تضج بالنضارة، ترتسم على شفتيها ابتسامة رضا؛ لأن كل الحاضرين لم يقاوموا النظر إليها. جلست هي ومن معها على طاولة قريبة منا، وهي تسترق النظر على من حولها؛ لتتأكد أن الأعين لم تتحول عن النظر إليها.
ولأنها تجلس قريبة منا، كان حديثها ومن معها يصل إلينا رغما عنا، ولم آبه لأي شيء مما كانت تقوله، حتى اخترق أذني وصف قبيح قالته عن شاب تقدم لخطبتها. "نظارتو مثل كعب الكباية" قالتها هي وهزت رأسها موافقة سيدة تجلس إلى جانبها، تبين لي من الحوار بعد ذلك أنها والدتها.
يا إلهي، إنها لم تَرَ من الرجل حتى ملامح وجهه، لم تَرَ إلا نظارته. ولم تكتف بأن تزن قيمة إنسان بميزان أخرق، وإنما جعلته موضع سخريتها في شيء لا حول له فيه ولا قوة، وهو نظره. نظرت نحوها فوجدتها قبيحة رغم جمالها اللافت، وذكرتني بقصة قرأتها عن أرسطو، الفيلسوف اليوناني، فقد نظر أرسطو إلى ذي وجه حسن فاستنطقه فلم يحمده، فقال: "بَيْتٌ حسنٌ لو كان فيه ساكن".
ننسى دوما أن الله سبحانه وتعالى قد حدد ميزان التفاضل بين الخلق، فلم يجعل منها شكل الإنسان أو مظهره، وإنما جعل أكرم الناس عنده وأحبهم إليه أكثرهم تقوى، فقال سبحانه وتعالى: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات:13).
والتقوى بمعناها الشامل البسيط ألا يترك الإنسان شيئًا مما أمر الله به إلا وفعله، وألا يفعل شيئًا مما نهى الله عنه. فالتقوى إذا تتعلق بفعل الإنسان وليس شكله، وفعل الإنسان انعكاس لمنظومة معتقده وقيمه وطباعه وأخلاقه التي إذا حسنت وكانت جميلة ثقل وزنه عند الله، وإذا كانت تلك المنظومة قبيحة خف وزنه عند الله.
كما جعل الله عز وجل الموت ترجمة صادقة لمفهوم الجمال الحقيقي، فالإنسان إذا مات لا ينفعه جمال وجهه، ولا يؤذيه قبح وجهه، بل إن هذا الوجه بعد الموت بزمن قصير، جميلا كان أم قبيحا، يصبح مشوها بالتحلل ثم يفنى ويعود إلى التراب الذي خلقنا منه ولا يبقى للإنسان إلا جمال عمله الذي هو انعكاس لجمال خلقه وطبعه ودينه.
وكان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك: "اللهم كما أحسنت خَلْقِي فحسّن خُلُقِي". بل إنه اعتبر حسن الخلق من الإيمان.
إن الناس يختلفون في آرائهم حول جمال الشكل ومعاييره؛ لأن الجمال الحسي أمر نسبي، ولكن جمال الجوهر ثابت؛ لأنه انعكاس لأخلاق وقيم وطباع اتفق عليها أغلب الناس، ولا يختلف اثنان على أن الخلق والطبع الحسن هو جمال يزين صاحبه. وقديما قال حكيم لشاب قبيح الوجه حسن الأدب: "قد عَفَتْ (أي غطت) محاسنُ أدبك مقابحَ وجهك".
إن الإنسان في جوهره هو توليفة من الأخلاق والطباع والأفكار، وهذه التوليفة لا ينعكس جمالها أو قبحها دوما على وجهه، فقد يكون الإنسان جميل الوجه لكنه قبيح الأخلاق والطباع، وهذا الإنسان يبدو في عيون الجميع قبيحا. والعكس صحيح، فقد يكون الإنسان قبيحا لكنه جميل الأخلاق والطباع فنجد أن جمال خلقه وطبعه يظهر خارجيا، ويضفي نوعا من الجاذبية الخفية التي نجهل مصدرها حقا، حتى لو كان قبيح الشكل، وهذا هو الجمال الحقيقي الذي لا يغيره زمن ويبقى في ذاكرة الناس. يقول أوسكار وايلد، الروائي والشاعر والمؤلف المسرحي الإيرلندي: إن جمال الروح هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الزمن أن ينال منه.
كما سئل أحد الفلاسفة ذات يوم عن المرأة الجميلة في نظره، فأجاب: "لا أستطيع أن أصف المرأة... ولكنني عندما أراها أستطيع أن أحس بها" وهذا ينطبق على الرجال.
فالجمال إذا ينبع من الداخل، وينعكس على المظهر الخارجي، أما الجمال الحسي فله عمر بعده يذوي ويذبل، ولو طبقنا هذه الحقيقة على مسألة "الزواج"، طالما أن القصة بدأت بمشروع خطبة، فإنه يمكن القول إن من خدعه جمال الشكل مع طرف قبيح الروح فإنه يصدق فيه المثل القائل: "يا آخد القرد على ماله بيروح المال وبيضل القرد على حالو".
إن الجمال منحة ربانية لا يد للإنسان فيها، عليه أن يحمد الله عليها، ولا يحق لصاحبها، رجلا أو أمرأة، أن يغتر بها، ويفقد حسن خلقه وأدبه، كما لا يحق له أن ينظر بتعالٍ إلى العباد، ولا أن يسيء الأدب في حقهم حتى في غيابهم. كما أنه لا يجوز أن يكون الشكل الخارجي ميزانا نتخذه لنفاضل بين الناس في علاقاتنا الإنسانية.
أعلم أن الإنسان جبل على حب الجميل، وأنه ليس من السهل إدراك الجمال في غير صورته الحسية. بل إننا في بعض الأحيان نقع أسرى لتأثير الشكل الخارجي، لدرجة أن كثيرا منا مثلا ينفر من أصحاب العاهات البدنية، ونقصيهم من قائمة أصدقائنا ودعواتنا في المناسبات، حتى لو كانت معرفتهم مكسبا لنا، لحسن خلقهم، وجمال طبعهم، ونتجنب كفالة اليتيم الدميم. وقد يعارضني البعض فيما أقول، ولكنها ملاحظات حدثت أمامي، وربما أكون أنا نفسي وقعت فيها بلا وعي، ودون أن أشعر. ودون شك فإن تجاوز الظاهر إلى تقدير الباطن يحتاج لكثير من النضج والوعي، ولكن التربية الصحيحة لأبنائنا وبناتنا تخلق هذا النضج وهذا الوعي. علما بأنه ليس كل من أنعم الله عليه بجمال الشكل يتصف بالخلق السيئ، وليس كل من حُرِمَ هذه النعمة يتصف بحسن الخلق.
في النهاية أحب أن أختم بهذه الدراسة الطريفة، فقد خلصت دراسة أمريكية أجريت على 3509 من الرجال ممن تزوجوا نساء جميلات إلى أنه كلما زاد جمال الزوجة توفي الزوج وهو في سن صغيرة، وتشير الدراسة إلى أن أكثر النساء اللاتي حصلن على 14 درجة من 20 درجة من اختبارات الجمال أصبحن أرامل في بداية حياتهن، بينما عاشت الزوجات ذات الملامح العادية مع أزواجهن أعماراً فاقت الثمانين والتسعين عاما. والله من وراء القصد.
للأفلام الوثائقية دور هام في تسجيل الأحداث والوقائع التي تحدث من حولنا، وكشف ملابساتها من خلال عرض الأدلة والشهادات التي ارتبطت بها من قريب أو بعيد، سعيا لكشف الحقيقة التي صنعت هذه الأحداث.
وهي بذلك تشكل أداة خطيرة في تشكيل الوعي لدى الإنسان. لذا فإن الحرص في انتقاء االوثائقيات التي تعرض على الناس أمر مهم جدا، خصوصا أننا ما زلنا نعتمد فيما نعرض منها على إنتاج القنوات الغربية والأمريكية، لما تتمتع به من خبرة وحرية كافيتين لإنتاج وثائقيات غنية بالخفايا والحقائق المتكشفة. ولا شك أن هذه الوثائقيات تمرر من خلالها وجهة نظر صانعيها، والتي قد لا تتفق في كثير من الأحيان مع قناعاتنا، وربما مع الحقيقة ذاتها؛ لأنها تهدف أساسا إلى خدمة مصالح من أنتجها.
ما دفعني إلى هذا القول الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة الجزيرة يوم الثلاثاء الماضي، وكان بعنوان: "ملابسات اغتيال المبحوح" وهو ترجمـة لوثائقـي أعدتـه مراسلة برنامـج بانورامـا في الـ"بـي بـي سـي" جين كوربن عنوانه: (جوازات سفر للقتل Passports to Kill). يروي الفيلم سيناريو عملية اغتيال الشهيد "محمود المبحوح"، القيادي في حركة حماس، الذي عُثر على جثته في أحد فنادق دبي في شهر كانون الثاني/ يناير الماضي.
لم يأت الفيلم بجديد فيما يتعلق بتفاصيل جريمة الاغتيال ذاتها؛ لأن ما روته جين كوربن فيه لم يضف إلى النتائج التي توصلت إليها شرطة دبي في تحقيقاتها.
لكن اللافت في الأمر هو أن جين في فيلمها كانت من طرف خفي تشير إلى أنه استحق القتل؛ لأنه، من وجهة نظرها، وإن لم تقل بالكلام، مجرم قتل مع سبق الإصرار والترصد الشاب المسالم إيلان سعدون. فالمبحوح استغل ثقة الجندي الشاب الذي قبل عرضه في أن يقله بسيارته. وهو في ذلك الموقف لم يكن في ميدان القتال.
وقد حرصت كوربن من بداية الفيلم وحتى نهايته على اختيار كلماتها والمشاهد التي تعرضها بعناية تخدم قناعتها.
تقول جين في سياق الفيلم: ولكن من يريد أن يقتل محمود المبحوح؟ ولماذا؟
تجيب فتقول: قد تكون الإجابة هنا في جنوب "إسرائيل"، فهنا قتل شخص مع "سبق الإصرار والترصد"... قبل 21 عاما كان "جندي إسرائيلي شاب" يدعى إيلان سعدون ينتظر حافلة في هذا الموقع... حين توقفت سيارة بداخلها ثلاثة رجال "عرضوا عليه الركوب بسيارتهم، وعندما ركب السيارة قتله محمود المبحوح". هكذا اختصرت جين سبب اغتيال المبحوح بـدافع "الثأر" من مجرم قتل (مع سبق الإصرار والترصد)، وهو مصطلح يستخدم لوصف الجرائم والمجرمين.
بعدها تنتقل جين إلى منزل إيلان، حيث تبدأ كاميرا الفيلم بتصوير الجدار الذي غطته صور إيلان، والتي يظهر فيها شابا مقبلا على الحياة، ثم تظهر أخت إيلان وهي تقول: على مدى 21 سنة كم بقينا نعاني... وكانت معاناة أمي أكبر معاناة، وكلما تذكرت أخي اعتصرني الألم. (وهنا تقترب الكاميرا من وجهها لتصور بكاءها بحرقة ويرافق المشهد موسيقى حزينة)
تقفز بعد ذلك إلى المقابلة التي أجرتها قناة الجزيرة مع المبحوح قبل اغتياله، وتختار عرض الجزء الذي يصف فيه المبحوح كيف كان دم الجندي إيلان يخرج مثل النافورة بعدما قتله وهو يصرخ مناديا والدته، لتعمق إحساس المشاهد ببشاعة ما فعله المبحوح، وتزيد اقتناعه بأنه يستحق القتل. ثم علقت على ذلك بقولها: لكي أعرف حقا من هذا الذي اعترف بأنه قاتل..." لتؤكد مرة أخرى صفة أنه قاتل باعترافه هو.
واستكمالا للأسباب التي أدت الى اغتيال المبحوح، قامت جين بإجراء مقابلة مع رامي إقري وهو مسؤول إسرائيلي كبير في الموساد، كما وصفه الفيلم. وفيها يؤكد لجين بأنه ما عليها إلا أن تنظر إلى أي من شحنات الأسلحة التي تنقل إلى قطاع غزة (والتي يبتاعها المبحوح لحساب حماس من إيران، كما ادعى) وتفكر في آلاف القذائف التي سقطت على المدن الإسرائيلية لتعرف بأن المبحوح مسؤول عن بعض ذلك -يرافق كلمات المسؤول صورة لصاروخ يسقط على مدينة إسرائيلية- تليها صورة أخرى لدماء على الأرض، ورجلي إسعاف يجمعان أشلاء في كيس.
وحرصت جين على أن تذكر، وإن كان على لسان الإسرائيليين، بأن عملاء الموساد أبطال وحماة لدولتهم "الصغيرة في منطقة معادية لهم" وأن سياسة الاغتيالات لم تبدأ إلا بعد حادثة قتل الرياضيين الإسرائيليين في الأولمبياد عام 72.
لم تستقصِ جين الدوافع التي أدت بالمبحوح إلى الالتحاق بالمقاومة، ولا الأسباب التي دفعته لقتل جندي إسرائيلي.
وفي الوقت الذي أعطت فيه فرصة للإسرائيليين للتعليق على عملية الاغتيال، لم تعطِ نفس الفرصة للفلسطينيين من باب الرأي والرأي الآخر.
حتى المشهد الذي تلتقي فيه بعائلة المبحوح في غزة كان مشهدا هزيلا خاليا من العواطف. وعندما سألت جين والدة المبحوح عمن تعتقد أنه اغتال ابنها، وأجابت بأنه الموساد، لم تسألها أن تشرح الأسباب التي دفعتها لهذا الاعتقاد.
بل إنها لم تأت على ذكر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره الوجه الآخر من ملابسات عملية الاغتيال، وصورت أن الصراع القائم بين "إسرائيل" وحماس هو نزاع ليس إلا.
عرضت صور الصواريخ التي سقطت على مدن "إسرائيل"، لكنها لم تعرض صور القنابل الفوسفورية التي أحرقت أجساد الأطفال والنساء والشيوخ في غزة.
حرصت على إظهار المبحوح بصورة القاتل، وعملاء الموساد بأنهم الأبطال، ولم تجرؤ على الإشارة ولو من بعيد إلى إرهاب دولة سلبت شعبا وطنه، وشردته من أرضه، وقتلت من قتلت من أبنائه بدم بارد.
كان فيلما صهيونيا بامتياز.
لكنني يمكن أن أتفهم السبب الذي يجعل جين كوربين، كغيرها من الغربيين والأمريكيين، تتبنى الرواية الإسرائيلية في كل حدث. لكنني لا أفهم كيف غاب هذا الأمر عن قناة الجزيرة التي تعودت أن تلتزم الحياد والموضوعية في كل ما تعرضه .
إن شعار "الرأي والرأي الآخر" الذي رفعته الجزيرة والتزمت به منذ تأسيسها غاب عند عرضها لهذا الفيلم.
"إفتح باب المطعم الزجاجي، إشعر بنسمة الهواء الباردة داخل المطعم، قف في الطابور، إلق نظرة على قائمة الوجبات المعروضة، أطلب الوجبة التي أخترتها، إدفع ثم في لحظات تحصل على وجبة".
هكذا صور إيريك شلوسر، مؤلف كتاب "أمة الوجبة السريعة" بساطة ونمطية وسرعة الحصول على وجبة سريعة في مطعم للوجبات السريعة.
ولعل هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل فكرة "الوجبة السريعة" التي تعتمد على طعام معد مسبقا ظاهرة تجتاح العالم ومن بينها العالم العربي، وساهم في تنامي مطاعم الوجبات السريعة بصورة سريعة في الثلاثين سنة الأخيرة محدثة تغييرا جذريا في الأنماط الغذائية للمجتمعات.
ورغم الحقائق المؤلمة والمرعبة التي توصلت اليها كل الدراسات عن أضرار الوجبات السريعة، ورغم أن المعظم بات يعلم أن الوجبات السريعة ما هي الا بقايا اللحوم وخليط الأحشاء والجلود والكثير من الشحوم الضارة مع إضافة كم هائل من المنكهات والمواد الحافظة والبهارات، رغم كل ذلك، الا أن هذه المعرفة لم تستطع أن تحدث تأثيرا فعالا في تغيير عادات الناس، إذ ما زال العالم يشهد كل يوم افتتاح عشرات الفروع لمطاعم الوجبات السريعة، وما زالت الوجبة السريعة، وبقوة، هي التفضيل الأول للمراهقين والأطفال.
وقد أدى الى تكريس هذه الظاهرة في عالمنا العربي وفي العالم، التطور الحاصل في مناحي الحياة المختلفة، فساعات العمل الطويلة وخروج المرأة الى العمل أوجدت الحاجة لنظام غذائي يوفر في الوقت والجهد. كما ساهم في ذلك أيضا شغف الشباب بالأسلوب المعيشي الأمريكي والسعي الى تقليده حتى فيما يتعلق بالعادات الإستهلاكية الخاصة بهم.
ورغم ما يقال من أن تأثيرات الأزمة المالية العالمية على إقبال الناس على هذه المطاعم الا أن ذلك لم يغير حقيقة أنها أصبحت نمطا وثقافة شكلت أذواق جيل جديد حرصت أن يكون وقود أرباحها في المستقبل.
"البرجر التي حطمت حياتها" :
إن أغلب الناس يتناولون الوجبات السريعة كل يوم هم وأطفالهم دون أن يفكروا في المصدر الذي تأتي منه. ولا في الكيفية التي تصنع بها، ولا في النتائج التي تتركها على مجتمعهم.
في تحقيقه الحائز علـى جائزة بوليتزر للعام 2010 والذي يحمـل عنوان "البرجـر التي حطمت حياتها The Burger that Shattered Her Lifeا"، يكشف مايكل موس، الصحفي في جريدة نيويورك تايمز، الأسباب التي أدت الى شلل في الأطراف السفلية لمدربة رقص عمرها 22 عام بعد تناولها لوجبة هامبرجر. (المقال تم نشره بتاريخ 3 أكتوبر/تشرين اول من العام الماضي في صحيفة النيويورك تايمز).
ففي يوم الأحد من خريف عام 2007 تناولت ستيفاني سميث، وهي مدربة رقص للأطفال، وجبة هامبرجر قامت والدتها بشيها لها على العشاء لتشعر بعدها بألم في المعدة ظنت في البداية أنه بسبب فيروس حيث كان الألم واالتشنجات في معدتها محتملا في اليوم الأول.
ولكنها أصيبت بإسهال تحول الى إسهال دموي، ثم توقفت كليتيها عن العمل، وتسببت هذه النوبة المرضية في أن تفقد ستيفاني وعيها. تسارعت التشنجات لديها بصورة مستمرة مما إضطر الأطباء الى إدخالها في حالة غيبوبة لمدة تسعة أسابيع لتصحو منها عاجزة عن المشي فقد أصيبت بشلل في أطرافها السفلية. والى اليوم ما زالت ستيفاني معرضة لفشل كلوي ويقول أطباؤها أنها على الأرجح لن تتمكن من السير مجددا.
وإستنادا الى المقابلات التي أجراها والسجلات الحكومية وسجلات الشركة المنتجة لهذا الصنف من الهامبرجر التي إطلع عليها الصحفي موس، تبين أن ستيفاني أصيبت بنوع حاد من أنواع التسمم الغذائي سببه بكتيريا E Coli. وعند تتبع مصدرها، تبين لمسؤولي الصحة الفدرالية أنها جاءت من الهامبرجر التي قامت والدة ستيفاني بشيها عشية يوم الأحد من خريف 2007، مما يؤكد أن قطعة الهامبرجر التي تناولتها ستيفاني معدة من مطحون فضلات اللحوم البقرية التي تجمع من المسالخ.
ورغم أن قطعة الهامبرجر المجمدة التي تناولتها ستيفاني هي من منتجات شركة أغذية عملاقة في الولايات المتحدة هي شركة كارغيل، إلا أن السجلات السرية للشركة تظهر أن قطع الهامبرجر مصنوعة من خليط من قصاصات ومخلفات من اللحوم البقرية التي يتم جمعها من عدة مسالخ في عدة ولايات تقوم بتحضير هذه القصاصات والمخلفات المشبعة بالدهون ثم تعالجها بالأمونيا لتقتل البكتيريا فيها ومن ثم تقوم ببيعها لشركات الأغذية منها شركة كارغيل مما يخفض سعر هذا اللحم المطحون بنسبة 25% عن سعره لو كان من اللحوم البقرية الصافية. ثم تقوم شركة كارغيل بتصنيع ما يسمى هامبرجر 50% / 50%، بمعنى 50% دهن (وهي تلك المخلفات والقصاصات) و50% لحوم طبيعية. وكذلك تفعل غيرها من شركات تصنيع الهامبرجر.
ويبين مقال موس أن أحد التقارير الصادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية التي وضعت حول سلامة اللحوم في أمريكا جاء فيه أن قرابة (80%) من اللحم البقري المفروم يحوي ميكروبات تنشرها في الأساس بقايا روث الحيوانات التي تختلط باللحوم عند ذبحها ملوثة إياها ببكتيريا السلمونيلا، وسلالة خبيثة من الـ إي كولي (E-Coli - O157:H7) وهما من النوع الخطير المسبب للتسمم الغذائي. كما تبين أن تحضير الهامبورغر من لحوم مئات المواشي يضاعف من أخطار الإصابة بالتسمم الذي يصعب علاجه حتى باستعمال المضادات الحيوية.
المزارع الصناعية وخطر الوجبات السريعة
ولكن خطر هذه الوجبات السريعة يمتد الى أبعد من ذلك. فإذا عدنا في قصة الهامبرجر والوجبة السريعة الى البداية فإن الصحفي إيريك شلوسر مؤلف كتاب " أمة الوجبات السريعة Fast Food Nation" يبين أن ماكدونالدز، وهو الذي إبتكرفكرة الوجبة السريعة، كان يصنع الهامبرجر من مطحون لحم البقر الصافي، لكنه بعد أن قرر أن يتوسع وبشكل سريع صار بحاجة للحصول على اللحوم بسرعة كبيرة جدا وبكميات كبيرة جدا الأمر الذي ساهم في إبتكار المزارع الصناعية Industrial Farms للمواشي والدواجن، كما وصفها إيريك.
وما يهمنا هنا هو طبيعة هذه المزارع الصناعية لنرى ماهية لحوم الوجبات السريعة في أصلها، وحتى قبل أن تصل الى المسالخ. هذه المزارع لا يقتصر وجودها على الولايات المتحدة وإنما هي منتشرة في عالمنا العربي لتلبي إحتياجات العالم الصناعي بطريقة فعالة حتى ولو كان ذلك على حساب صحة الإنسان ناهيك عن صحة الحيوان وسلامة البيئة.
في هذه المزارع يتم تربية المواشي أو الدواجن بأعداد كبيرة جدا في مكان واحد مغلق بشكل يستحيل معه ملاحظة ما قد يصيبها من أمراض، وبشكل يستحيل معه الحفاظ على نظافتها أو نظافة المكان الذي تعيش فيه مما يجعلها معرضة وبشكل كبير للإصابة بالمرض. لذا فإن أصحاب هذه المزارع يقومون بحقنها بشكل روتيني بمضادات حيوية تحميها من الأمراض، وفي نفس الوقت ولسبب غير معروف تؤدي الى نموها بسرعة أكبر.
ولا يقتصر الأمر على الطريقة التي تتم بها تربية المواشي والدواجن في المزارع الصناعية، وإنما يتعداها الى الأعلاف التي تغذى بها المواشي والدواجن. ففي الماضي كان غذاء المواشي والدواجن من الطبيعة وفقا لفطرتها التي خلقت عليها، أما اليوم فيتم تغذيتها على النافق منها أو على مخلفات المذبوح منها في المسالخ. وقد تبين في الماضي أن السبب في ظهور مرض جنون البقر هو إطعام المواشي من النافق منها.
إذا فالوجبات السريعة ليست فقط وجبات عديمة القيمة الغذائية، وإنما هي في أصل مكوناتها لها إنعكاسات صحية مخيفة قد لا تظهر في الوقت الحاضر ولكنها مع مرور الزمن ستطفو على السطح.
الأطفال والمراهقون هم المستهدفون
لذلك فإننا نلاحظ أن الإعلانات التي تسوق هذه الوجبات تركز على أن الذهاب الى مطاعم الوجبات السريعة هو نزهة تجمع العائلة والأصدقاء لقضاء وقت لطيف، وتعلن عن الهدايا والألعاب التي ترافق معها، وتعلن عن أماكن اللعب التي توفرها للأطفال، كل ذلك دون أن تتطرق الى نوعية المكونات التي تصنع منها هذه الوجبات ولا الفائدة الصحية منها لأنها في حقيقة الأمر وجبات ميتة. وبدلا من أن يكون الغذاء سببا للحياة ومصدرا للعافية، صار سببا للموت وللأمراض المعروفة والتي ما زالت مجهولة.
التجربة خير برهان
في كل ما سبق، تعرضت لما يمكن أن تحدثه هذه الوجبات من أمراض بسبب بيئة مكوناتها وبيئة تصنيعها، أما الآثار المترتبة على تناول هذه الوجبات فهو أمر آخر.
يقال إن "التجربة خير برهان". هذا ما إستند اليه مورغان سبارلوك عندما فكر في إخراج الفيلم الوثائقي «الحجم الكبير مني Super Size Me » عام 2004 ليبين بالبرهان العملي أثر الوجبات السريعة على صحة الإنسان. فقد إلتزم بتناول وجبات ماكدونالدز السريعة ثلاث مرات في اليوم لمدة ثلاثين يوما مع الإلتزام بالسير ما يعادل 5000 خطوة، وهو المتوسط الذي يقطعه الأميركيون في العادة. وقبل البدء بهذه التجربة، قام مورغان بإجراء فحوصات طبية شاملة وكاملة من قبل طبيب للقلب، وطبيب للجهاز الهضمي، وآخر طبيب عام بالإضافة الى خبيرة تغذية ومدرب رياضي.
كان من نتائج تجربة مورغان أن وزنه في نهاية الشهر إزداد 11 كيلوجرام، وقد إستغرقه عام ونصف ليخسر هذه الزيادة في الوزن. كذلك فقد وصل مستوى الكوليسترول لديه الى 230، بإرتفاع قدره 65 نقطة
وإرتفعت نسبة الدهون في جسمه من 11% الى 18% مما ضاعف خطر إصابته بمرض الشريان التاجي (شريان رئيسي في القلب). كما أصيب بقصور في الكبد fatty Liver . وقد صاحبه شعور بالإكتئاب والإجهاد معظم الوقت مع تقلبات شديدة في مزاجه.وبالإضافة الى كل ما سبق فقد عانى من إختلال في قدراته الجنسية. والملاحظ أيضا أن مورغان كان دائما يشعر بالجوع ويرغب في أكل المزيد بعد فترة بسيطة من تناوله الوجبة السريعة. وقد أظهرت الأبحاث بأن الغذاء الغني بالدهون والسكر يثبط إشارات الشعور بالشبع، ويعزز الإحساس بالجوع.
اللافت في الأمر أن الأطباء الذين أشرفوا على مورغان خلال هذه التجربة توقعوا أن يكون أثر هذه التجربة على صحته سيئا، ولكنهم لم يتصوروا أن يكون حادا وجذريا.
وهذا ليس مستغربا، فللوجبات السريعة أخطار بعضها بدأ في الظهور والبعض الآخر ما زال مجهولا نظرا لطرق تربية المواشي والدواجن وطرق تصنيع لحومها التي ذكرتها سابقا، هذا بالإضافة الى السماح بإستخدام المواشي والدواجن المستنسخة وإستخدام المحاصيل المعدلة وراثيا في مكونات هذه الوجبات. وأول أخطارها يقع على الأطفال والمراهقين الذين تستهدفهم إعلانات الوجبات السريعة بشكل مكثف بغية تشكيل عاداتهم الغذائية. قبل أن يبدؤوا في إدراك أضرار ومخاطر هذه الوجبات.
أخطار صحية
إن أول أخطار الوجبات السريعة يتمثل في المواد الحافظة التي تضاف اليها لتحافظ على جودة مكونات الوجبة لسنوات طوال، بالإضافة الى منكهات الطعم التي تكسبها طعمها المميز.
ومن أضرارها أيضا أن تناولها المستمر يوصل إلى درجة الإدمان. فقد أشارت دراسة أجراها
باحثون في معهد سكريبس للأبحاث في فلوريدا ونشرتها مجلة "جورنال نيتشر نيوروساينس" يوم 28 مارس/آذار الماضي بأن الوجبات الغنية بالدهون والسكريات تؤدي إلى الإدمان شأنها شأن الإدمان على الهيروين والمخدرات الأخرى.
كذلك فقد ثبت الارتباط الوثيق بين تناول الوجبات السريعة من جهة وبين زيادة الوزن. فقد أظهرت دراسة طبية جديدة قادها الدكتور مارك بيريرا أستاذ الأوبئة بجامعة مينيسوتا والدكتور دافيد لودويغ مدير برنامج البدانة بمستشفى بوسطن للأطفال، وإستغرقت خمسة عشر عاما، أثبتت هذه الدراسة أن الوجبات السريعة تزيد من مخاطر الإصابة بالبدانة Obesity، والتي هي أصل الكثير من الأمراض المزمنة كارتفاع ضغط الدم والسكري من النوع الثاني. وقد أكد البروفيسور فيلبيب جيمس رئيس الجمعية الدولية لمكافحة السمنة الى أن منطقة الشرق الأوسط تحتل المرتبة الثالثة عالميا بعد الولايات المتحدة ومنطقة جزر الكاريبي في معدلات إنتشار البدانة والتي تعتبر الوحبات السريعة أحد الأسباب الرئيسية في الإصابة بها.
كما بينت الدراسة أن الذين يتناولون وجبات سريعة مرتين على الأقل أسبوعيا كانوا أكثر عرضة لزيادة مقاومة الجسم للأنسولين بضعفين مقارنة بالمشاركين الذين يستهلكون الوجبات السريعة بمعدل أقل من مرة واحدة في الأسبوع. وتؤدي مقاومة الجسم للأنسولين إلى زيادة احتمال إصابة الإنسان بالنوع الثاني من مرض السكري غير المرتبط بإنتاج الجسم للأنسولين - الذي غالبا ما يصيب البالغين فوق سن الأربعين- والذي بدأ يشيع بين الأطفال والمراهقين ممن لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة بشكل خطير وغير مسبوق.
كذلك فإن هذه الوجبات تضاعف خطر الإصابة بتصلب الأوعية القلبية لأنها تتسبب في ارتفاع نسبة الكوليسترول. فالوجبة الواحدة منها تحتوي على أكثر من 800 ملجم من الكوليسترول، أي حوالي أكثر من ثلاث مرات مما قد يحتاج إليه الجسم خلال اليوم، وهذا في وجبة واحدة.
والوجبات السريعة أيضًا ذات سعرات حرارية عالية وغنية بالملح وبالنشويات بسبب استعمال الخبز الأبيض، لذلك فهي تسبب على المدى الطويل، ارتفاع ضغط الدم.
كما أن خلو هذه الأطعمة من الألياف الضرورية لإنتظام الحركة الطبيعية للأمعاء يخل بوظيفتها، ويؤدي إلى اضطرابات في عملية الامتصاص، بالإافة الى أنها غنية بالبهارات والتوابل مما يتسبب في تهيج الأغشية الداخلية للجهاز الهضمي.
وهي وجبات تفتقر الى العناصر الغذائية المفيدة، مثل الفيتامينات والأملاح والمعادن الضرورية كالكالسيوم والحديد وكلها عناصر يحتاجها الجسم في عملياته الحيوية.
أخطار سلوكية
بالإضافة الى كل ما سبق، فإن الدراسات تؤكد بأن تناول الأطعمة السريعة والسكريات بكثرة يغير سلوك الأطفال، كما تؤدي إلى خمول العقل وكسله وإلى ترهل الجسم.
وبالفعل ففي فيلم "الحجم الكبير مني"، يقوم مورغان بزيارة مدرسة إحدى المدارس الخاصة والتي عرف عن طلابها أنهم كانوا يتهربون من الدراسة، ويعانون من مشاكل سلوكية لكن المدرسة تمكنت من خلال نظام غذائي صحي أن تعالج هذه المشاكل لدى طلابها. يذكر عميد المدرسة لمورغان بأنهم كانوا محظوظين بعثورهم على برنامج غذائي صحي يتميز بأنه منخفض الدهون، منخفض السكر، منخفض الملح، ليس معالجا كيميائيا، خالي من الصبغات والمواد الحافظة، غني بالحبوب الكاملة، ويحتوي على الكثير من الفواكه والخضروات الطازجة، وطريقة إعداده تلتزم الخبز وتتجنب القلي.
ويؤكد عميد المدرسة لمورغان أن هذا النظام الغذائي الصحي قد أدى الى تحسن سلوك الطلبة، وصاروا أكثر تركيزا في دراستهم.
أخطار إقتصادية
ولا تقتصر أضرار هذه الوجبات على الناحية الصحية، وإنما لها أضرار إقتصادية تتمثل في أنها حملت ميزانية الأسرة بأعباء إضافية قد ترهق معظم الأسر خصوصا في ظل التضخم والأزمة المالية العالمية.
أخطار إجتماعية
وكان لها أيضا أضرارا إجتماعية أهمها في رأيي أنه قد نشأ جيل من الفتيات ليست لهن الرغبة في الإلمام بطرق تحضير الوجبات التقليدية، التي هي جزء من تراث مجتمعاتها، تعللا بنمط الحياة السريع الذي لا تلائمه هذه الوجبات. بل إن بعض الفتيات بات يرى في الوجبات السريعة بديلا عن الدخول الى المطبخ أصلا مما أدى الى وقوع المشاكل داخل الأسر.
بالإضافة الى أنها أصبحت وسيلة الترفيه الوحيدة لدى الكثيرين بدلا من أن تكون تسليتهم نزهة خارح جدران المنازل المغلقة الى فضاء الطبيعة الفسيح.
ويبقى ضرر أخير، فقد قيل إن محبة الأمهات لأسرها تمتزج مع الطعام الذي تعده فيكتسب مذاقا إنسانيا يميزه عن غيره في البيوت الأخرى، وهو ما نسميه بالعامية "نفس المرأة"، ورغم أنه لا يوجد ما يدعم هذا التصور علميا الا أنه كمثل الحقائق التي تسمى ما وراء الطبيعة، وقد ساهمت الوجبات السريعة على تقاعد هذه النعمة الربانية..
أضرار ولا فوائد:
هذه أضرارها، فهل للوجبات السريعة، بل لمفهوم الوجبة السريعة، فائدة تذكر؟ إن توفير الوقت ليس فائدة في عصر يتسم بسرعة الإيقاع وكثرة الضغوط والمشاكل، وإنما هو عصر يجعلنا، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة الى عقل وجسم سليمين وهو ما لاتحققه هذه الوجبات. بل على العكس ففي الوقت الذي يفترض أن يكون الطعام مصدرا للحياة وسبيلا الى الصحة أصبح اليوم، بفضل هذه الوجبات التي لا تحقق للإنسان لا سلامة الغذاء ولا جودة نوعيته، خطرا يهدد صحته. ومع كل الملوثات التي تحيط به سيكون ضروريا أن يحرص على تناول وجبة نظيفة في مكوناتها وفي إعدادها.
لقد دفعت الولايات المتحدة ضريبة كونها "أمة الوجبات السريعة" من صحة أجيالها الشابة وإنتاجها الحيواني والنباتي وبيئتها، وقد إستغرق ظهور هذه الأثار ما يقارب مئة عام عندما ظهر أول مطعم للوجبات السريعة. فلماذا لا نتدبر في عالمنا العربي في هذه الآثار ونعلن حالة الطوارىء لمواجهة هذه الظاهرة التي تنعكس أمراضا على مجتمعاتنا وأرباحا في أرصدة أصحاب وشركات الوجبات السريعة التي بلغت من الضخامة ما لم تصله مؤسسات تجارية قبل الآن، وصار لها نفوذ لا يقتصر على الولايات المتحدة بل تعداه الى كل العالم؟ وأين هو دور الحكومات وجمعيات حماية المستهلك وقبلها جميعا أين دور الإعلام المضاد في مواجهة هذا الخطر الزاحف؟
نشر المقال في صحيفة السبيل
سألتني : لماذا فرض الحجاب على النساء دون الرجال؟ لماذا كتب علينا أن نتصرف عكس طبيعتنا، فأنا أحب أن أبدو جميلة وأنيقة في عيون الناس أينما كنت؟ لماذا فرض علينا الأمر الأصعب، فأنا أستغرب كيف تحتملين هذا الجلباب الكئيب في هذا الحر القائظ؟
إبتسمت وطلبت منها أن تهدأ ثم قلت لها: تعتقدين أن المرأة هي التي تتحمل الجزء الأصعب من هذا التكليف؟ إسمحي لي أن أخالفك الرأي، فالمرأة في حجابها لا تتحمل الا ثوبا يستر بدنها ولها الحرية في إختيار قماشه ولونه وشكله طالما أنها ملتزمة بمواصفات الحجاب الشرعي وهو أن يكون ساترا لجميع البدن عدا الوجه والكفين، فضفاضًا ثخينًا لا يصف ولا يشف، ليس زينة في نفسه، غير معطر، ليس فيه تشبه بملابس الرجال".
ذلك هو المطلوب من المرأة، أما الرجل فإنه مأمور بأن يغض بصره عن مفاتن المرأة سترتها أم عرضتها، وهو بذلك مطالب بأن يتصرف عكس طبيعته لأن الرجل بطبيعته، بصره وعواطفه ومشاعره يحركها جمال المرأة ومفاتنها، ورغم ذلك فإنه مأمور بأن يغض بصره مع كل ما هو معروض أمامه من مفاتن النساء في كل مكان في عصرنا هذا والا صار آثما. أليس ذلك هو الأصعب؟؟
وقد أكدت هذه الحقيقة الدكتورة Louann Brizendine، عضو المجلس الأمريكي للطب النفسي والأعصاب، ومؤسسة ومديرة عيادة "مزاج المرأة والهرمونات"، أكدتها في كتابها "دماغ الرجل The Male Brain". ففي أجزاء من كتابها، تشرح Louann ردة الفعل اللاإرادية للرجل عندما ينظر الى أجزاء من جسد المرآة وذلك بسبب التكوين الخلقي لدماغ الرجال الذي يتضمن مساحة للنشاط الجنسي أكبر بمرتين ونصف من تلك الموجودة في دماغ المرأة مما يجعله غارقا في تخيلات جنسية بخصوص مفاتن المرأة.
"The male brain has an area for sexual pursuit that is 2.5 times larger than the female brain, consuming him with sexual fantasies about female body parts."
وهذا ما أكدته أيضا باحثة علم السلوك هاني فان هوف من الجامعة الحرة في أمستردام والتي توصلت في بحث أجرته أنه حين يشاهد الرجال امرأة جميلة يتطلع إليها الجميع بشكل لا شعوري.
إذا فالرجال الذين يلاحقون الجميلات بعيونهم ليسوا دائما سيئي الخلق وإنما هم يتبعون طبيعتهم ليس إلا. لذا جاء الإسلام ليهذب هذه الطبيعة التي أوجدها الله في الرجال لأسباب تتعلق بالتناسل والحفاظ على الجنس البشري، وجعل الله سبحانه وتعالى حجاب المرأة عونا له على العفة وصونا لها من عيون من تمرد على أمر الله من الرجال في التعفف وغض البصر.
وأحب أن أذكرك بأمر ربما فاتك، وهو أنك اليوم فتية لك بشرة نضرة وقوام ممشوق، ولكن تخيلي نفسك عندما تبلغين الأربعين أو الخمسين. إن كل هذا سيتغير، فنضارة البشرة تذوي مع العمر، والحمل والولادة والعمر تتلف القد الممشوق، عندها ستعرفين قيمة الحجاب الذي يستر فتاة فتية نضرة تسير في الشارع عن أعين زوجك الذي لا تتغير طبيعته هو وغيره من الرجال مع كبر العمر. إنك ستطمئنين حينها أنه إذا نظر اليها زوجك فإنه لن يرى من مفاتنها وزينتها ما يدفعه قصرا الى أن يعقد مقارنة بينها وبينك.
أما لماذا حدد الله عز وجل مواصفات للحجاب الشرعي، فذلك لأنه سبحانه وتعالى أعلم بالمواطن والعوامل التي تفتن الرجل في المرأة. ولو ترك سبحانه الأمر لإجتهادات البشر لعمت الفوضى كما نرى اليوم.
لقد خلق الله البشر مختلفون في نظرتهم لأمور الدنيا وهم مختلفون في بيئاتهم وفي الظروف التي يتعرضون لها والتي تشكل طريقة تفكيرهم، كما أنه سبحانه وتعالى خلق لهم أهواءا ورغبات لا حدود لها ولا يلجمها الا التكليف الرباني "بإفعل ولا تفعل".
ولو أجرينا بحثا في بيئات ومجتمعات مختلفة لوجدنا أن بعض المجتمعات تعتبر أن الفستان بنصف أكمام هو منتهى الحشمة بينما تعتبره مجتمعات أخرى خارج عن حدود الإحتشام. وهناك مجتمعات تعتبر الفستان بدون أكمام منتهى الحشمة وفي مجتمعات أخرى يعد خروجا صارخا عن حد الإحتشام. بل إن بعض المجتمعات والبيئات ترى أن المايوه قطعة واحدة بدلا من المايوه البكيني هو منتهى الحشمة. نعم الى هذا الحد يمكن أن يصل الإنسان في تقديره لأمور حياته.
لذا لم يترك الله عز وجل تعريف "الإحتشام" لإجتهادات البشر، وإنما وضع مقياسا موحدا للإحتشام على جميع النساء أن يقسن إحتشامهن على أساسه.
تذكري فقط أن الحجاب يحجب الأنثى في المرأة حتى يبرز فيها إنسانيتها وعقلها. ولكنه أبدا لا يحجبها عن العلم ولا العمل ولا الجهاد ولا التمتع بمباهج الدنيا في حدود ما أحله الله.
وقبل أن أسترسل قاطعتني قائلة: ولكنني ما زلت صغيرة السن ولا أتخيل نفسي في جلباب إن فكرت في الحجاب، فما رأيك في "الحجاب المودرن" الذي درج بين الفتيات هذه الأيام؟
قلت لها: لن أعطيك رأيا وإنما دعينا نفكر معا. لقد إتفقنا أن الله سبحانه وتعالى قد وضع مقياسا للحشمة يمكن أن تقيس كل منا لباسها على أساسه، أليس كذلك؟ هزت رأسها موافقة. قلت: فهل تجدين أن "الحجاب المودرن" ينطبق عليه هذا المقياس؟ قالت : لا، فالملابس ضيقة جدا، وألوانها صاخبة، والمساحيق تملأ وجوههن، وغطاء الرأس وحده مهرجان يعلن عن نفسه.
قلت لها: أريدك أن تلعبي لعبة فروقات الصورة، تخيلي "المحجبة المودرن" في صورتين قبل الحجاب وبعده وإبحثي عن فروقات بين الصورتين. إنك لن تجدي الا فارقا واحدا وهو غطاء الرأس، أما ما تبقى من لباسها فهو ما كان موجودا أصلا في خزانة ملابسها قبل أن تقرر إرتداء الحجاب.
لم يفرض الحجاب لستر بشرة المرأة ولكنه فرض ليستر مفاتنها التي يمكن أن تكون ملفته جدا حتى وهي مغطاة بلباس. إن ممثلات الإغراء في السينما يكتفين بكشف اليسير وإخفاء الكثير من أجسادهن ولكنهن يحرصن على إرتداء نوع خاص من اللباس يظهر مفاتنهن ومواطن الجمال فيهن، لينطبق عليهن وصف أحد الممثلين في إحدى المسرحيات "لابسة من غير هدوم".
في الختام، قلت لها تفكري في حوارنا هذا بعقلك وقلبك وبنية خالصة وأنا على ثقة أنه لن يطول الوقت حتى أسمع عنك أخبارا طيبة، هزت رأسها ووعدتني أن تفعل.
تم نشر المقال في صحيفة السبيل
http://www.assabeel.net/studies-and-essays/assabeel-essayists/11699-كم-جميل-لو-بقينا-أصدقاء.html
"هل يمكن أن تنشأ علاقة صداقة بين الرجل والمرأة، كالتي تنشأ بين المرأة والمرأة وبين الرجل والرجل؟"
سؤال لطالما كان مثار جدل بيننا في الجامعة منذ ما يقارب الثلاثين عاما، واستدعاه إلى ذاكرتي من جديد مقال للإعلامي اللبناني زاهي وهبي بعنوان: "مفرد مثنى" نشر في مجلة "زهرة الخليج"، وفيه يستنكر الكاتب نظرة الشك والريبة التي تنظر بها بعض المجتمعات، التي وصفها بأنها تعيش الكثير من العقد والتشوهات، إلى صداقة الرجل والمرأة. ويرى أن المشكلة ليست في صداقة الطرفين، وإنما في العقول المشوهة الملأى عقدا؛ لأن هذه العقول، من وجهة نظره، تجرد المرأة والرجل من كل صفاتهما الإنسانية لتحصرهما في خانة الأنوثة والذكورة.
ولكن الأمر الطريف أن الكاتب، وفي محاولته لإثبات وجهة نظره، كان دون أن يدرك يثبت رأي المجتمعات التي يذمها في هذه العلاقة. فقد استند على بعض الاكتشافات الطبية الحديثة التي أثبتت، وفقا للكاتب، أن الاختلاط بين الجنسين له انعكاسات إيجابية "جدا" على الصحة النفسية والجسدية لطرفيه.
لا أحد ينكر الأثر الإيجابي للتواصل بين المرأة والرجل، فآدم كان في الجنة، ولكنه استوحش فخلق الله سبحانه وتعالى حواء لتكون سكنا له، وهذا يعني أن التآلف والتجاذب، النفسي والعقلي قبل الجسدي، بين المرأة والرجل موجود منذ بدء الخلق وإنعكاسات هذا التآلف لا بد أن تكون إيجابية. هذا التجاذب والتآلف فطري، سره في اختلاف الجنس بين الذكر والأنثى، لا في التوافق في الأفكار والاهتمامات بين إنسانين. فالمرأة والرجل يجدان في اجتماعهما أنسا تلقائيا لروحيهما، وسكنا لنفسيهما. ولكن الله سبحانه وتعالى جعل هذا التآلف والتجاذب بينهما مثلثا أضلاعه التآلف النفسي والعقلي، بالإضافة إلى التآلف الجسدي، حتى تتحقق عمارة الأرض، وتناسل البشر.
ولو أن العلاقة بين الرجل والمرأة لا تختلف في طبيعتها عن العلاقة بين الرجال بالرجال، أو بين النساء والنساء، لما خلق الله سبحانه وتعالى جنسين، ولاكتفي بجنس واحد، إذ ما الجدوى من خلق ذكر وأنثى لا تتمايز المشاعر بينهما عن المشاعر بين أفراد الجنس الواحد؟
ولكن الله عز وجل وضع لهذا التجاذب ضوابط، واحتواه ضمن إطار وهو الزواج؛ لأنه يعلم سبحانه أن الاستسلام لهذا التجاذب دون ضوابطه، وخارج إطاره، لا ينتج إلا الخراب.
وأنا هنا لا أتحدث عن الجانب الجسدي للعلاقة بين الرجل والمرأة، ولكنني أتحدث عن الأثر النفسي والاجتماعي لخروج البشر عن الضوابط والإطار الذي يحكم علاقات الجنسين، خصوصا أن الاختلاط اليوم أصبح واقعا لا يمكن تجنبه بحكم ظروف الحياة العصرية، مما يستلزم التمسك بهذه الضوابط أكثر.
ولو عدت إلى السؤال الذي بدأت به المقال: "هل يمكن أن تنشأ علاقة صداقة حقيقية، بين الرجل والمرأة، كتلك التي تنشأ بين المرأة والمرأة وبين الرجل والرجل؟".
لنتخيل السيناريو التالي، لنفترض أن زميلين في العمل وجدا أن ما يجمعهما يبشر بإمكانية نشوء علاقة صداقة بينهما، بالإضافة، بالطبع، إلى ود يربط بينهما هما بالذات، بدليل أنه لم يختر غيرها مشروع صديقة، ولم تختر غيره مشروع صديق. وبحكم التعامل المنفتح الذي تتطلبه الصداقة بينهما يتحدثان في همومهما، حيث يبدأ الأمر في هموم العمل، ثم ومع مرور الوقت يتزايد الارتياح والثقة بينهما، فيتطور الأمر إلى الحديث عن هموم العائلة، إلى أن يصل إلى أدق الهموم الشخصية، أليس هذا جوهر الصداقة، الارتياح والثقة والمساندة؟
ولكن إذا كانت هذه هي علاقة الصديق بالصديقة، فما الذي يمكن أن يحققه الزواج لكلا الطرفين أكثر من ذلك، عدا العلاقة الجسدية؟ بمعنى أنه إذا كانت المرأة تشارك "صديقها" في تفاصيل حياتها بسبب الارتياح والثقة اللذين تشعر بهما تجاهه، فما الذي تبحث عنه في زوج المستقبل؟ وينطبق نفس المعنى على الرجل.
سأضيف فرضا آخر، سأفترض أن المرأة أو الرجل المرتبطين بعلاقة صداقة، أحدهما متزوج. الذي سيحدث أحد أمرين، إما أن يبتعد الطرف المتزوج؛ لأنه سيعيش الصداقة وأكثر مع شريك الزواج. أما إذا استمرت علاقة الصداقة بينهما، هذا إذا استمرت علنا بعلم زوجيهما وموافقتهما، فما الذي يمنع أن تتطور علاقة الصداقة إلى مشاعر مختلفة، خصوصا في لحظات قد يكون هناك توتر أو خلاف أو فتور أو ملل بين الزوجين. بل إن الإنسان أحيانا تكون مشاعره في حالة فوضى وجموح ما يجعله يرى "صديقته" بعيني مشاعره.
كل ذلك وأنا لا أتكلم عن سوء نوايا عند الرجل والمرأة عندما يتقدمان إلى مشروع صداقة بينهما، أنا أتحدث عن إنسانين قررا أن ينكرا الانجذاب الفطري بينهما، ظنا منهما أنهما أكثر معرفة بأنفسهما من خالقهما.
إن العلاقة الصحية التي يمكن أن تحتضن هذا التآلف والانجذاب بين الرجل والمرأة هو الزواج. فالزواج يطلق العنان لهذا الانجذاب ليحوله الزوجان من خلال العشرة إلى مودة ورحمة، وهو أسمى ما يمكن أن تصل إليه علاقة بين امرأة ورجل؛ لأنها تستوعب كل المعاني التي يحلم كل منا بتحقيقها مع شريكه. فالمودة كلمة جامعة تعني الرقة والألفة وإظهار الميل والرغبة والتعبير عن الاشتياق. أما الرحمة فهي كذلك كلمة جامعة تعني التسامح والتفاهم والعطف والشفقة والصبر والابتعاد عن القسوة والغضب والعنف.
لذلك فقد حث الإسلام على الزواج المبكر، ليس فقط تحصينًا للشباب من الوقوع في علاقات محرمة، وإنما لكي يعيشوا كل تلك المعاني، التي تعيش في خيالهم وتستدعيها مشاعرهم، في إطار أقره الله عز وجل.
وفي الختام أقول لمن يرى أن المنطق الذي يرفض صداقة الرجل والمرأة منطقا مشوها، أنه إذا استطاع هذان الصديقان أن يعيشا وحدهما في بيت واحد، ويناما في سرير واحد، دون حرج، ودون أن يمر أحدهما بلحظة ضعف، كما يحدث في صداقة الرجل للرجل، وصداقة المرأة للمرأة، عندها فقط تصبح صداقة الرجل والمرأة أمرا طبيعيا وممكنا ومقبولا.
يبدو أن "حرب العقول والقلوب" التي أشعلتها الولايات المتحدة سرا منذ زمن قد برزت الى العلن وأول بشائرها فيلم "الرهان الخاسر" الذي عرضته وزارة التربية والتعليم في المدارس على طلاب المرحلة الابتدائية والذي يربط بين الإرهاب والملتحين والمحجبات.
وقد تبين أن فكرة عرض الفيلم ليست جديدة، فقد ذكرت "القدس العربي" أنه في العام 2000 طلب الملحق الثقافي في السفارة الأمريكية في عمان من وزير التربية والتعليم آنذاك تعميم عرض الفيلم على المدارس، لكن الوزير وقتها تجاهل الفكرة واليوم عادت فكرة الفيلم من جديد بفارق واحد، وهو أنه تمت الموافقة على عرضه رغم أن د. بدران ينفي علمه بالـCD.
وذكرت "القدس العربي" أن الفيلم مولته مؤسسات مجتمع مدني أمريكية ويمنية، ونفذه فريق تمثيل يمني، وبطلته الألمانية صوفيا مارتن.
ويظهر محتوى الفيلم أن الرسالة الموجهة من خلاله تستهدف الإسلام ذاته وليس "المتطرفين"، إذ إنه لم يتناول الجانب الأمني فقط, وإنما عرض مشهدا اجتماعيا يصور إرهاب الإسلام الاجتماعي، حسب رأي أصحابه، فقد أكدت إحدى المعلمات فضلت عدم ذكر اسمها في اتصال مع إذاعة "الحقيقة الدولية" أن الـ"CD" يحتوي على مناظر بشعة وإجرامية, وتمثل "الشيوخ والمحجبات" بأنهم يمارسون أعمالا إرهابية, وأضافت: من هذه المناظر رجل متدين وملتح يقوم بإهانة زوجته لأنها تقوم بممارسة الرسم، ثم يقوم بتمزيق الرسومات بطريقة عنيفة، وقام بكسر الراديو الموجود بالبيت, وكذلك يقوم الرجل الملتحي بالدخول إلى أحد المنازل ويقوم بإبادة عائلة بالكامل بطريقة إجرامية.
كما صرحت مدرسة أخرى لأسرتها، أنه تم عرض الـCD لمدة ساعتين أمام عدد من الطالبات وفيه مناظر إرهابية يقوم بها بعض "الشيوخ والمحجبات", ثم طلب من الطالبات كتابة تقرير عنه ورأيهن فيه وسيتم دعمهن بالعلامات.
إذا, فالسباق اليوم هو على كسب عقول وقلوب الجيل الجديد, وهذا يفسر أن هذه الحرب -حرب "الأفكار"- قد اختارت ميدانا لها إحدى قلاع المجتمع التي لها تأثير مباشر على عقول وقلوب النشء وأعني وزارة التربية والتعليم.
وتستهدف هذه الحرب هدم الثقافة والقيم الإسلامية، لتحل محلها قيم الغرب وثقافته. وقد صرحت كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة بذلك فقالت: (إن المهمة الأساسية في "حرب الأفكار"، تتعلق بالترويج للقيم الأمريكية المتمثلة في الحرية والديموقراطية ونظام السوق الحر).
بدأت "حرب العقول والقلوب" عندما أدركت الولايات المتحدة أن حربها مع العالم الإسلامي هي بالأساس "حرب أفكار" لا يستطيع السلاح وحده حسمها. وقد عبرت عن هذه الحقيقة كوندوليزا رايس بقولها: "لكسب الحرب على الإرهاب، علينا أن نكسب حرب الأفكار".
لذا فقد أقر البيت الأبيض استراتيجية سرية جديدة عنوانها "الوصول إلى كامل العالم الإسلامي" Muslim World Outreach، وهي تنص على أن الأمن القومي للولايات المتحدة يقتضي التأثير على الإسلام نفسه. وتقتضي خطة الوصول لكل العالم الإسلامي العمل من خلال أطراف ثالثة، مثل الدول الإسلامية المعتدلة والمؤسسات والجماعات الإصلاحية، من أجل الترويج للقيم المشتركة كالديموقراطية وحقوق المرأة والتسامح.
وعليه، فقد قامت الولايات المتحدة سرا بتقديم الدعم المالي في أربع وعشرين بلداً على الأقل، لعشرات البرامج الإذاعية والتلفزيونية الإسلامية، ولمقررات دراسية في المدارس الإسلامية، ولمراكز أبحاث إسلامية، ولبرامج أخرى تقوم بالترويج للإسلام المعتدل مستفيدة في كل ذلك من برامج العمل السري التي ساعدتها يوماً على كسب الحرب الباردة ضد الكتلة الشيوعية، والتي استندت على أسلوب فرق-تسد لشق الاشتراكيين المعتدلين عن الشيوعيين المتشددين في الخارج.
جاء ذلك في تقرير نشرته مجلة يو أس نيوز أند ورلد ريبوت الأمريكية US News & World Report في نيسان 2005، عنوان التقرير هو (قلوب وعقول ودولارات) في جبهة خفية في معركة الحرب على الإرهاب، أمريكا تنفق الملايين لتغيير وجه الإسلام.
Hearts, Minds, and Dollars - In an Unseen Front in the War on Terrorism, America is Spending Millions...To Change the Very Face of Islam
هذا يعني أن أمريكا تسعى إلى تغيير معنى الإسلام في فهم متبعيه, ومن ثم جعل الصراع بين الإسلاميين أنفسهم -التيار المعتدل في مواجهة التيار المتشدد- وفقا لتعريفها هي للاعتدال والتطرف، لتجعل معركة السلاح بين المسلمين أنفسهم.
بل إن مؤسسة راند البحثية التابعة للقوات الجوية الأمريكية كانت قد وضعت في تقرير أصدرته في آذار 2007 بعنوان "بناء شبكات مسلمة معتدلة" Building Moderate Muslim Networks- معايير محددة للاعتدال تتضمن: رفض تطبيق الشريعة الإسلامية، وتبني القيم الأمريكية التي تقوم على الفصل بين الدين, والدولة، واعتبار العقيدة شأناً فردياً بين الإنسان وربه، ولا علاقة لها بتنظيم شؤون الحياة, ورفض العنف، وتبني منظومة حقوق الإنسان.
إن عرض فيلم "الرهان الخاسر" لا يخرج عن سياق هذه الحرب، وقد سبق ذلك إقرار الأردن إدخال تعديلات على مناهج التعليم من 90 صفحة تطال كل المفاهيم التي ارتأت أمريكا أن لها علاقة بنبذ العنف تدخل ضمن خمس مساقات، هي اللغتان العربية والإنجليزية والتربية الوطنية والتربية الإسلامية والتاريخ باعتبار أن مناهجنا تحض على كراهية الغرب ونشر ثقافة العنف، وفقا للرؤيا الأمريكية.
كما شرعت في توزيع وثيقة تحمل اسم "وثيقة السلام" على جميع المدارس الحكومية بالأردن تدعو فيها إلى نبذ العنف والتركيز على تدريس الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الداعية للسلام للطلبة بمختلف المراحل التعليمية. كل ذلك بهدف واحد هو تشكيل ثقافة الجيل الجديد بما يتفق مع المصالح والأطماع الأمريكية في المنطقة وفي العالم.
إن حادثة الـCD تدق ناقوس الخطر وتعلن قدوم الطوفان, وعلينا أن نكون جاهزين له وإلا جرفنا، ففكرة القوة متمثلة في حروب السلاح رغم دمويتها وقسوتها لا تملك إلا أن تغتال الجسد فقط، ولكن قوة الفكرة متمثلة في حروب الأفكار قادرة على اغتيال الروح والفكر وهما سر قوة الإنسان. وإذا لم نسعى بقوة السلاح وقوة الفكرة معا إلى حماية أبنائنا من حرب تسعى لاغتيال هويتهم وشخصيهم العربية والإسلامية, فإن رهاننا على هذه الأجيال في انتشال الأمة من حالة التشرذم والضياع والخنوع والجهل والفقر رهان خاسر..
وللحديث بقية.
بينت في الجزء الأول من مقالي أن "أمة إقرأ لا تقرأ" إتهام ظالم لأنه لا ينظر بعدل الى الأسباب التي جعلت العرب يعزفون عن القراءة. وبينت أن عزوف الطفل عن القراءة سببه أن البيت والمدرسة لا يقومان بتشجيعه على القراءة الواعية وتحبيبها له لتصبح عادة أصيلة تابعة من الذات.
فإذا إنتقلنا الى المرحلة الثانوية نجد أن المطالعة ظلت حصة مستبعدة، والأبحاث التي يطلب من الطالب كتابتها في الغالب لا تقرأ من قبل المدرسين مما دفع الطالب للقيام بنسخها دون قراءتها. والحال نفسه في التعليم الجامعي. وفي هذا السياق، فقد بين تقرير المعرفة للعام 2009، أن معدل الإنفاق الحكومي على البحث العلمي في معظم الدول العربية لا يتعدى 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لا تحفز على القراءة والبحث.
ومع ضعف الإنفاق الحكومي يغيب أثرياؤنا أيضا عن توظيف جزء يسير من أموالهم لدعم البحث العلمي. يحكي د. أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء للعام 1999 أن جوردون مور مؤسس شركة إنتيل والذي تقدر ثروته بحوالي 20 مليار دولار قرر أن يمنح جامعة كالتك، التي تخرج منها 600 مليون دولار وذلك إمتنانا منه لها شرط أن تقدم بحثا غير عادي. ويذكر د. زويل أن مور قال له: كم من المال تعتقد أنه سيتكلف مشروعك؟ أجاب: 20 مليون دولار. قال له اكتب لي صفحتين فقط بأفكارك والميزانية وبالفعل حصل د. زويل والجامعة على المبلغ لإجراء البحث. يقول د. زويل: لولا هذا المبلغ الذي تبرع به جوردون مور ما كان باستطاعتنا أن نحقق القفزة التي أنجزناها في ثلاث سنوات فقط"
وإذا إنتقلنا الى الأسباب الأكثر وجعا، فما زالت الأمة العربية ترزح تحت وطأة الأمية والفقر والبطالة والفساد وكل ما يقال عن إحراز أي تقدم في مجالات النمو هو من باب الدجل السياسي للنخب الحاكمة لتغطي عجزها أو تقصيرها أو فسادها. هذه الهموم التي يعيشها الإنسان العربي هي سبب أساسي لعزوفه عن القراءة.
تشير التقارير أن أكثر من ثلث العرب يعيشون تحت خط الفقر. وفي الأردن يقدر معدل دخل الفرد السنوي بـ2700 دولار أي ما يعادل نحو 159 دينار شهرياً في بلد يبلغ فيه خط الفقر العام 504 دينار مما يعني أن دخل الفرد لا يكفي لتغطية حتى ثمن حاجاته الأساسية.
أما البطالة، ففى الوقت الذي لا يتجاوز متوسط معدل البطالة في العالم 6.3% تشير التقديرات إلى إن نسب البطالة في العالم العربي تتراوح ما بين 20 و 25% من مجموع القوى العاملة، وأن الوضع الحالي للبطالة في طريقه "لتجاوز الخطوط الحمراء" كما وصفته منظمة العمل العربية. بل إنه لم تعد هناك دول عربية محصنة ضد البطالة كما كان يعتقد قبل سنوات، وبخاصة فى دول الخليج العربي، حيث يبلغ معدل البطالة فى السعودية، أكبر هذه البلدان تشغيلاً للوافدين، نحو 15%، كما جاء في تقرير المنظمة .
لقد كان من أول ما امتن الله به على قريش قبل أن ينزل الوحي ب "إقرأ" وقبل حتى أن يطلب منهم عبادته، أن أطعمهم من بعد جوع وآمنهم من بعد خوف فقال سبحانه وتعالى في سورة قريش (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).
وحتى إن تجاوزنا مشكلة الفقر والبطالة تبقى الأمية أحد أكبر معيقات القراءة والمعرفة في العالم العربي، فقد جاء في تقرير المعرفة العربية للعام 2009 أن عدد من لا يستطيعون القراءة والكتابة في العالم العربي 60 مليونا في الوقت الذي إحتفلت فيه السويد مثلا بوفاة آخر أمّي فيها في العام 2008. ويضيف التقرير أن 6 ملايين طفل ممن هم في سن التعليم الابتدائي لا يلتحقون بالمدرسة.
أضف الى كل ما سبق، إن شعور الإنسان العربي يأن التنافس بينه وبين غيره لا يقوم على أساس تكافؤ الفرص والكفاءة بسبب إنتشار الواسطة والمحسوبية، فقد يكون من هو أقل في المستوى التعليمي والكفاءة رئيساً لمن هم أكثر منه كفاءة أو خبرة لأنه إبن فلان أو محسوب على فلان، هذا الشعور بالغبن والتمييز يفقد الإنسان الحافز للمعرفة لأنه لا يرى فائدة ترجى.
وأخيرا، فإن الكتاب العربي نفسه سبب في عزوف الناس عن القراءة. ذلك أن التعامل مع الكتاب لا بد أن يكون بإعتباره مادة تثقيفية تخاطب المواطن البسيط وفكره وتعبر عن مشاكله وتطلعاته. ولكن الكتاب العربي يعاني من "أزمة أفكار" وإن وجدت الفكرة فاسلوب عرضها يكون بعيدا عن التجديد والسهولة والمتعة بل وفي كثير من الأحيان بعيدا عن العمق. وهذا ربما يفسر إقبال الناس على إستعارة القصص أكثر من غيرها من الكتب لأنها أكثر قدرة للتعبير عن واقعهم وبأسلوب محبب لهم في غالب الأحوال.
يقول الأستاذ غالب مدير مكتبة شومان أن القصص تتصدر قائمة الكتب المستعارة من المكتبة بنسبة 14.3%.
كما يقول وسام الخولي، الموظف في إحدى دور لنشر أن الروايات الأجنبية تتصدر قائمة مشتريات الفتيات التي تتراوح أعمارهن ما بين 13 - 20 سنة لأنها أكثر إمتاعا.
أما فاتن وهي سيدة تعمل في مجال المبيعات تقول أنها تقرأ باللغة العربية لأنها اللغة التي تتقنها ولكن لا شك في أن الأجانب أبرع في التعبير عن كثير من المواضيع (وهذه كلماتها).
ولو تأملنا القرآن الكريم سنجد أنه رغم نزوله على أساطين اللغة العربية الا أنه نزل بلغة سهلة بسيطة وإسلوب شيق محبب وفيه تروى القصص وتعرض حقائق الكون والوجود والخلق، وهي قضايا فلسفية كبرى وصعبة، تعرض من زوايا متعددة وبحجج مختلفة لذا فإن الإنسان مهما كان مستوى ثقافته لا يجد صعوبة في فهم عموم ما جاء فيه. إن الكاتب والمؤلف يكتب للناس على إختلاف مستوياتهم الثقافية لا لنفسه ولا للنخب لذا فإنه كلما نجح الكتاب في مخاطبة أكبر عدد من الناس كان أكثر جذبا.
نعم "أمة إقرأ لا تقرأ" ولكن الإصرار على أنها تتحمل مسؤولية أميتها الثقافية بالكامل هو تحامل ليس في مكانه. فالشعوب الإسلامية غير العربية من "أمة إقرأ" أبدعت ووصلت الى مصاف الدول الغربية أو في طريقها عندما توفرت لها سبل العيش الكريم والتعليم المناسب والبيئة الصالحة للإبداع وتجربة ماليزيا وتركيا ليست ببعيدة.
إنني لا أبرر أمية ثقافية دفعت بنا الى مكان غير مرئي في قائمة الدول المتقدمة ولا أقول أن الغرق في همومنا يعفينا من مسؤولية النضال وبذل الجهد للخروج منها كل من موقعه. وستبقى "إقرأ" دليلنا الى معرفة أن "ربنا هو الأكرم" لأنه "علم الإنسان ما لم يعلم". وسيبقى خير جليس في الزمان كتاب يؤنس وحدتنا وينير دربنا في زمن القهر والظلم.
مقالي هذا إستكمال لمقالي السابق "المعرفة بين المهد واللحد"، الذي كنت قد بينت من خلاله بأن مفهوم "بزوغ عصر المعرفة" ليس دقيقا وأن أهمية المعرفة وضروراتها للتنمية والتقدم والحضارة رافقت آدم عليه السلام عند نزوله الى "العالم الجديد - الأرض" وبدونها كان سيكون عاجزا عن التعاطي مع حياته الجديدة. ثم أنهيت المقال بأن تلقي طوفان المعلومات المترتب على عصر "ثورة المعلومات والإتصالات" وتعلم إستخلاص المعرفة منها هو أحد أهم معوقات التنمية والتقدم في عالمنا العربي.0
إن إستخلاص المعرفة يقتضي بداية السعي اليها بالتعليم أو بالقراءة الشخصية، وسأتناول في هذا المقال "القراءة" وذلك إنطلاقا من تحفظي على إتهام ظالم لأمة إقرأ وهي أنها لا تقرأ. وأنا بقولي أنه إتهام ظالم لا أنفي أنه إتهام في محله تؤكده الأرقام، وتشهد به الإحصاءات، ولكنه إتهام مصحوب دوما بالتقريع واللوم بعيدا عن التفهم اللازم لأسباب هذا الحال الذي آلت اليه أمة إقرا.
دعوني أولا أعرض مجموعة من الحالات جمعتها من خلال أسئلة وجهتها لبعض الأقارب والمعارف ممن لديهم أبناءا في المدارس سواءا الحكومية أو الخاصة.
سجى، هي الآن طالبة جامعية ولكن والدتها تقول أنها خلال فترة دراستها الثانوية فازت بجائزة البحث العلمي لثلاث سنوات على التوالي. وقد تم الإحتفاء بها ثم خبى كل الصخب ووضعت وزارة التربية والتعليم البحث في أدراجها ولم تصدر حتى شهادة تفيد تفوقها. الموجع في الأمر أنها عندما تقدمت للجامعة بمعدل يفوق ال 97% لم تستطع الحصول على مقعد في كلية الطب في الجامعة الأردنية فقررت أن تستفيد من تفوقها العلمي لتحصل على إستثناء ولكنها صدمت عندما علمت أن الإستثناء يمنح فقط ل "التفوق الرياضي" و "التفوق الموسيقي".
أحد الأساتذة الأفاضل ويعمل أمينا لمكتبة مدرسية أكد لي أنه لا توجد حصة مخصصة للمطالعة وفقا لمنهج وزارة التربية والتعليم. وللأستاذ قصة أخرى تخص إبنه الذي، وأنا أنقل عنه، قد توصل لنظرية جديدة في علم الجينات وقد حاول عرضها على أي من مراكز الأبحاث العلمية فلم يحصل حتى على فرصة أن يقابلوه ليطلعوا على ما لديه.
عبد الله، طالب في أحد صفوف المرحلة الإبتدائية في إحدى المدارس الخاصة الحديثة، عند سؤاله عما إذا كان جدوله الدراسي يتضمن حصة خاصة للمطالعة، أجاب بنعم وأن المدرسة تعطي لكل طالب قصة ليقرأها في بيته دون تخصيص حصة لمناقشة مضمونها وأهدافها لأن المدرسة لا تقرأ القصص التي توزعها على الطلبة. وفهمت من والدته أنه إذا لم يفهم الهدف من وراء أي من هذه القصص فإنه لا يلجأ لمدرسته لتساعده في فهمها فلما سألته عن السبب أجاب بأنها عصبية ولا تسمح بأي سؤال حول ما يقرؤون.
واحدة فقط من الحالات كانت حصة المطالعة ومناقشة ما قرىء جزء من المنهج ولكن تبين لي أن الطالب يدرس في مدرسة أجنبية.
إن العقل هو مناط التكليف في القانون الإلهي والوضعي لذا فإن التعليم لا بد أن يستند على تدريب الطالب منذ الصف الأول على إستخدام العقل بطريقة علمية بعيدة عن التلقين تمكنه من التلقي ومن ثم التفكر والتحليل وصولا الى الإستنتاج والفهم والنقد.
والقراءة هي أول سبل الطفل للتعلم الحر. من خلالها يدخل الطفل عالما جديدا غير بيته ومدرسته وبه ينمي خياله وفضوله ويوسع مساحة السؤال لديه وتلك أولى خطوات التحليل والفهم ومن ثم الإبداع بصرف النظر عن حجم هذا الإبداع والذي يعتمد على القدرات التي خص بها الله عز وجل كل طفل.
ولكننا نحتاج الى أن نحبب هذا الجهد للطفل ليتحول الكتاب من عدو الى صديق. يقول " جيمس تريليس - متخصص فــي تفعـيل دور القراءة للطفــل تحديداً ومؤلف كتاب Read-Aloud Handbook الذي بيع منه مليون نسخة: "نحن نقوم بتعليم أطفالنا القراءة جيدا في المدارس، ولكننا ننسى الأهم وهو تعليمهم حب القراءة ". إن تحبيب القراءة للطفل وتشجيعه عليها تحولها مع الزمن الى عادة أصيلة نابعة من الذات ولكننا نجد أن الأسرة والمدرسة ترى أن الأهم من القراءة هو متابعة الدروس والنجاح بتفوق.
كما أن الطفل في خطواته الأولى نحو القراءة يحتاج الى من يتفاعل معه فيما يقرأ ليتعلم طريقة إستخلاص معرفة مفيدة مما يقرأ ويتدرب على تطبيق تلك المعرفة في واقعه الخاص والعام، فالقراءة الواعية تحميه من أن يتحول الى مردد لما قرأ - كما يحدث في مدارسنا - دون أن يفهم أو وعاء لآراء الغير وتمكنه من الأدوات اللازمة لتشكيل رأي خاص به. بمعنى آخر، تدريبه على التفكير العلمي فيما يقرأ حتى لا يبقى ما يقرأ مجرد معلومات مخزنة في الدماغ دون أن تتحول الى معرفة قابلة للتطبيق في تطوير عقله، وشخصيته، وآرائه ومعتقداته، ومهاراته وقدراته.
Posts: 57
Comments: 107
من الحياة، انقل لكم هموم الناس وأفراحهم وافكارهم ورحلاتهم في هذه الحياة

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat