Games

Members

Ads

Blogs

Photos

Videos

Music

Groups

Events

Polls

Forums

Articles

Boards

chat
Articles
القرار الأمريكي - ومن يملكه - (6)0
04-14-09

 

 

من الجزء الخامس يقول الأستاذ هيكل :  "" وتوصل الفكر إلى حل بقية الأسئلة التى أثارتها استنتاجات "المؤسسة الشرقية" بشأن الدور الإمبراطورى للولايات المتحدة: استحالة الحرب النووية ومن ثم كيف يدور الصراع دون سلاح، ثم إنه صراع عقائدى ساحاته وميادينه بيوت الناس وعقولهم.""

 

كان الحل الذى قدمه "الفكر" إلى "الإمبراطورية" هو سباق السلاح، وكانت النظرية فيه بسيطة وقد سمعت شرحها بنفسى من أحد المشاركين فى صنعها وهو "روبرت ماكنمارا" وزير دفاع "كـيندى" ورئيس مؤسسة "فورد" قبل وزارة الدفاع ورئيس مجلس إدارة البنك الدولى بعد وزارة الدفاع!

 

 

وملخص الحل، وأنا أعرضه الآن بصياغتى له وليس بنفس ألفاظ "ماكنمارا"، كما يلى:

كانت المعضلة "أمامهم" عويصة ومتعددة الجوانب ومعقدة:

- من البداية كان واضحاً "لهم" أن الحرب بالأسلحة النووية تكاد تصبح ضرباً من الانتحار الإنسانى الجماعى، فكل الشعارات الإستراتيجية التى سادت فى ذلك الوقت عن "الردع الشامل" و"الدمار المتبادل المؤكد" - سقطت وتلاشت وراءها أساطير "الضربة الأولى" و"الضربة الثانية" إلى آخره.

 

- فى ذلك الوقت كان "أمامهم" فى البيت الأبيض خياران: إما عقد الاتفاق مع السوفيت لوقف السباق النووى وإما مواصلة السباق:

وكان وقف السباق مرفوضاً لأنه يعتمد فى كثير منه على الثقة والقبول بالنظام الشيوعى المعادى للرأسمالية - ثم إن مثل هذا الاتفاق على وقف السباق مع الاتحاد السوفيتى من شأنه أن يجعل السيادة فى العالم شركة بين نظامين لا يستطيع أحدهما أن يزيح منافسه من طريقه، وهذا أيضاً مرفوض لأن المنافسة بين الاثنين فى هذه الحالة سوف تتجه إلى مجالات أخرى قد يسبق فيها الاتحاد السوفيتى وتتخلف الولايات المتحدة خصوصاً فى العالم الثالث وهو مدار الصراع. فهذا العالم الثالث فقير مستغل، خارج من سيطرة الإمبراطوريات القديمة بنقمة شديدة عليها (وعلى أصدقائها) ومعنى هذا أن العالم الثالث سوف يجد نفسه ينجذب إلى الاتحاد السوفيتى وهذا يفتح له - للاتحاد السوفيتى - أبواب محيطات وقارات وأمم.

وقف السباق كان مرفوضاً كذلك لأسباب اقتصادية وعلمية. فصناعة السلاح ركن ركين فى أساس الاقتصاد الرأسمالى. ثم إن السلاح هو المحركات النفاثة للبحث العلمى فى كل المجالات.

 

- وهكذا كان الحل الذى توصلوا إليه بعد جهد جهيد ووجدوه مقبولاً ومطلوباً هو مواصلة سباق التسلح، وذلك لمجموعتين من الأسباب:

أولاهما كل الأسباب التى كان خيار الاتفاق مرفوضاً بسببها.

والمجموعة الثانية من الأسباب وهى الأهم:

لأن سباق التسلح سوف يكون هو الوسيلة الجديدة لاستنزاف موارد الاتحاد السوفيتى.

إن "المفكرين" الجدد فى البيت الأبيض وحوله وجدوا فى استمرار سباق التسلح خطة عمل مثلى تتصل حلقاتها واحدة بالأخرى لتصنع سلسلة من النتائج المرغوبة:

- إن الولايات المتحدة الأمريكية أغنى من الاتحاد السوفيتى مرتين على وجه التقريب. وفى سباق للتسلح فإن الولايات المتحدة بمواردها الأكبر سوف تكون أسبق، ولكن الاتحاد السوفيتى مهما كانت موارده أقل سوف يضطر إلى مجاراتها بضرورات أمنه.

 

- إن الولايات المتحدة سوف تجد الدول الغربية وراءها تساعدها، وهى غنية إلى حد لا يقارن بالدول الشيوعية التى سوف تقف وراء الاتحاد السوفيتى.

كذلك فإن الولايات المتحدة سوف تبيع كثيراً من أسلحتها التقليدية غالية لأصدقائها الأغنياء - فى الشرق الأوسط مثلاً - وأما الاتحاد السوفيتى فإنه سوف يرغم على تقديم أسلحة رخيصة لأصدقائه "المناضلين".

وهكذا فإن أصدقاء الولايات المتحدة سوف يكونون مصدراً إضافياً لمواردها فى حين أن أصدقاء الاتحاد السوفيتى سوف يكونون عبئاً إضافياً على موارده.

 

- إن الاتحاد السوفيتى خرج من الحرب العالمية الثانية بانتصار عسكرى ضخم، ولكن بتكلفة اقتصادية وإنسانية مخيفة، وقد وضع لنفسه ثلاث أولويات لمواجهة عالم ما بعد الحرب - عالم السلام:

1- إعادة البناء والتنمية الشاملة بما يمنح شعوبه نتيجة ملموسة للحلم الشيوعى.

2- إعادة إنشاء قدرة دفاعية متطورة بما يردع العالم الرأسمالى المتربص به.

3- كسب أصدقاء فى العالم خصوصاً أوروبا الشرقية والعالم الثالث، بما يوسع ويعزز مصالحه ونفوذه.

وكان تخصيص الموارد على هذه الأولويات الثلاثة بنسبة 75% لإعادة البناء والتنمية اللازمة للحلم الشيوعى، وبنسبة 15% لتطوير القدرة الدفاعية، وبنسبة 10% لمساعدات أوروبا الشرقية والعالم الثالث (أرقام هذه النسب من تقديرات مجلس الأمن القومى فى البيت الأبيض وقتها).

 

- إذا استطاعت الولايات المتحدة جر الاتحاد السوفيتى جراً وعلى الرغم منه إلى سباق للتسلح - إذن فإن الخطة كلها قد تختل.

وفى ألفاظ "روبرت ماكنمارا" أثناء حديثه معى قال:

- "كان هدفنا ببساطة أن نرغم الاتحاد السوفيتى على أن يرفع أولويته رقم 2 (القدرة الدفاعية) لتحتل مكان أولويته رقم 1 (إعادة البناء) وبنفس النسب إذا أمكن.

أى القدرة الدفاعية أولاً وبأكبر بنسبة ممكنة.

وهذا بدوره سوف يؤثر على أولويته الثالثة، إذ سيضطر والحال كذلك إلى أن يسحب من مخصص مساعداته للآخرين ويبقى أكثرها لنفسه لأن مجال المناورة ضاق أمامه.

 

ما هو معنى ذلك؟

 

معناه إذا اضطر الاتحاد السوفيتى - بسباق التسلح - إلى تخصيص الجزء الأكبر من دخله (40% إذا أمكن) لتطوير قدراته الدفاعية عليه أن ينتظر طويلاً. وعلى أصدقائه فى العالم أن ينتظروا أطول.

 

وهكذا فإن سباق التسلح يمكن أن يضرب العقائد السوفيتية فى موسكو نفسها.

 

فقيمة العقائد فى هذا العصر - وفى كل عصر - هى بمقدار ما تستطيع أن توفره من أسباب سعادة الناس فى حريتهم وفى معاشهم (الغذاء والمسكن والملبس والتعليم والرعاية الصحية والتأمينات والأجازات) وفى ثقافتهم سواء بتعميق مداركهم أو توسيع معرفتهم واتصالهم بالعالم الذى يعيشون فيه.

 

وإذن كانت الصيغة المقترحة هى:

جعل "رأس المال الأمريكى" هو الذى يضرب "العقيدة الشيوعية" بواسطة "سباق التسلح".

 

..... إذن فإن سباق التسلح نفسه أصبح هو الحرب ذاتها.

..... وإذا كانت الحرب الشاملة فى العصر النووى مستحيلة، ولا هى محتملة ولا مقبلة ولا حتى ممكنة ؛ وإذا كانت الضرورات تفرض على كل طرف أن لا يترك للطرف الآخر وسيلة يسبقه فيها بشىء جديد - إذن فلتكن هذه الضرورات نفسها هى إستراتيجية المواجهة بتحويلها عملاً إلى إستراتيجية مواجهة أى سباق تسلح لسباق التسلح بالدرجة الأولى وليس للحرب.

رأس المال الأمريكى بثروته الأكبر سوف يضرب العقيدة الشيوعية عن طريق استنزاف الثروة الأقل لدى دولة الشيوعية الأولى فى العالم وهى الاتحاد السوفيتى.

 

وفى حين يتبقى لدى رأس المال الأمريكى بعد سباق التسلح فائض ضخم يصنع طريقه جذابة للحياة الأمريكية - فإن الاتحاد السوفيتى بعد سباق التسلح لن يتبقى لديه مثل هذا الفائض، وسوف يضطر إلى مجاراة غيره فى مجالات الأمن (سباق التسلح) ويعجز عن مجاراة غيره فى مجالات الحياة مضطراً إلى قبول مستوى لا يغرى أحداً ولا يغويه.

 

كان تقدير مهندسى صيغة الحرب الجديدة أن الولايات المتحدة تستطيع أن تحتمل تكاليف هذا السباق - بإنتاج السلاح وليس باستعماله - لأن الحرب طبقاً لنظريته تبقى محتملة على عكس استعمال "القنبلة". وتبقى مضمونة على عكس استعمال "القنبلة". وتبقى فى الحسابات الختامية مقبولة اقتصادياً وإنسانياً.

 

وفى نفس الوقت فإن الاتحاد السوفيتى سوف ينوء كاهله بالعبء. ثم إن تغيير الأولويات سوف ينزع عن العقيدة الشيوعية قدرتها على تحقيق الحلم الشيوعى.

 

وهكذا يصبح المجتمع الرأسمالى فى أمريكا نموذجاً للغنى والرفاهية، ويصبح المجتمع الشيوعى أمامه فى الاتحاد السوفيتى نموذجاً للحاجة والتقشف - وأمام الكل أن يقارنوا ويفاضلوا ويختاروا".

 

أعود مرة أخرى إلى "دافيد روكفلر".

فى حوار معه فى شهر سبتمبر 1973، وكان الحوار على غداء فى مكتبى، قال لى "دافيد":

"تشغلكم أزمة إقليمية لديكم وهى أزمة الشرق الأوسط، وأما نحن فالذى يهمنا هو الصراع على مستقبل العالم.

أنتم هنا فى مصر وأنتم هنا فى العالم العربى وأنتم هناك وهناك فى آسيا وأفريقيا فى يدكم دون أن تتنبهوا لذلك مصير العالم كله.

إن مصير العالم كله سوف يتقرر ويجرى حسمه لصالح الرأسمالية أو الشيوعية طبقاً لما تختارونه، قبل أن ينصرم القرن العشرين - هذا القرن - سوف يتقرر كل شىء ويحسم.

إذا اخترتم جميعاً طريقتنا فى الحياة فسوف يكون النصر النهائى لنا.

وإذا اخترتم جميعاً طريقة الآخرين - الاتحاد السوفيتى - فسوف يكون النصر لهم.

إن "القنبلة" لن تحسم الصراع على مستقبل العالم وإنما الذى سوف يحسمه هو اختياركم".

 

وقلت لـ "دافيد روكفلر": "إن الاتحاد السوفيتى هو الذى يساعدنا فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بالسلاح لندافع عن استقلالنا، وهو الذى يبيع لنا المصانع ويشترك معنا فى بناء السدود وغيرها من المشروعات الكبرى".

 

وقال "دافيد":

"سوف يضطرون إلى تقليل مساعداتهم لكم يوماً بعد يوم، إنهم لا يستطيعون الدخول فى صفقة سلاح مع كل بلد من البلدان المستقلة حديثاً.

وهم لا يستطيعون بناء سد عال كل شهر أو كل سنة، ما لديهم محدود إلا إذا سلمتوهم موارد ثرواتكم وأنتم لن تقبلوا ذلك، وإذا قبلتم فإن الدنيا سوف تقوم عليكم وتقعد!

لا بد أن تعرفوا أن المنافسة بيننا على اتساع الأرض والفضاء وهى منافسة عليكم أنتم فى جزء منها لكنها أكبر منكم فى وسائلها وأهدافها".

 

وقلت لـ "دافيد روكفلر":

"ولكن الاتحاد السوفيتى يجرى بسرعة ويبدو وكأنه أحياناً يسبقكم حتى فى الفضاء، ألم يحدث أنه سبق بإرسال "سبوتنيك" أول قمر صناعى فى الفضاء؟".

 

وقال "دافيد روكفلر":

"لقد كان رد "كيندى" على ذلك هو التعهد بإرسال أول إنسان إلى القمر، وقد حققنا ذلك فعلاً ".

 

واستطرد "دافيد روكفلر":

- "فى ناحية كان تعهد "كنيدى" بإرسال إنسان أمريكى إلى القمر هو اعتذاره للشعب الأمريكى عن خطأ محاولة الغزو الفاشلة لكوبا فى خليج الخنازير. لكنه كان فى الناحية الأخرى - الأكبر والأوسع - خطوته الضخمة لدفع المنافسة (لم يقل سباق التسلح!) بين العملاقين إلى أبعاد الفضاء اللانهائية.

وسوف ترى!"

Powered by:
Hakaya Technologies.
Copyright © 2012 Hakaya Technologies.