Games
|
Members
|
Ads
|
Blogs
|
Photos
|
Videos
|
Music
|
Groups
|
Events
|
Polls
|
Forums
|
Articles
|
Boards
|
chat
|
Articles
Articles
من الجزء الثاني: يتابع الأستاذ هيكل "وقلت: "إن مصر تقود العالم العربى بمقدار ما تعبر عنه، وتتزعمه بمقدار ما تمثل طموحاته. فإذا توقفت عن التعبير والتمثيل أصبحت مجرد واحدة من دول المنطقة. ليس هناك قانون يعطى مصر الحق فى "رئاسة" العالم العربى... ليست لها مثل هذه الولاية عليه. هناك أسباب معينة إنسانية وحضارية وسياسية أعطت لمصر دوراً معيناً فى المنطقة فإذا توقفت عن أداء هذا الدور لم يعد لأى سلطة فيها إلا ما تستطيع فرضه داخل حدودها. لكنها لا تستطيع أن تفرضه على الباقين. وحتى هذا الذى تستطيع أى سلطة فى مصر أن تفرضه داخل حدودها مرهون بأجل ومعلق بوعد. فإذا لم يستطيع القرار أن يفى بأجله أو بوعده سقط حتى فى مصر ذاتها مهما كان جبروت السلطة التى فرضته!" ............ وبدا كأن "دافيد روكفلر" استعاد بسرعة كل أقنعة الصمت: راح يصب لنفسه فنجان قهوة جديد ثم يرشف منه على مهل ثم قال: "ولكن ما ذكرته خطير...."
واستطرد: ".... هل تحدثت فى هذا مع هنرى (يقصد "هنرى كسينجر")؟"
وقلت: "أكثر من مرة. ومن أول لحظة التقينا فيها فى فندق "هيلتون" فى القاهرة مساء يوم 11 نوفمبر 1973.
لقد ذهبت إلى الاجتماع به - كما تعرف - بناء على طلب منه وبناء على طلب من الرئيس "السادات" أيضاً وكنت وقتها مازلت قريباً منه.
وحينما بدأت أتحدث معه (مع "كيسنجر") عن القضية العربية عامة والصراع العربى الإسرائيلى بصفة خاصة فوجئت به يطلب منى أن يقتصر حديثنا على مصر وحدها.
واعترضت عليه ليلتها وقلت له بالحرف تقريباً "إننى لا أستطيع أن أقصر حديثى على مصر وحدها. ولو فعلت فسوف أجد نفسى طالباً وليس مطلوباً.
بمعنى أننى إذا تحدثت معبراً عن مصر داخل حدودها فقط - إذن فأنا أتحدث عن مشكلة. بلد يزيد تعداده عن طاقة موارده. ولا يمارس وجوداً مؤثراً خارج حدوده. ولا يمسك بمفتاح من مفاتيح الصراع الكبرى.
لكنى إذا تحدثت معبراً عن عالم عربى بأسره - إذن فأنا أتحدث من أرض صلبة. باسم منطقة هى القلب الإستراتيجى فى العالم ممسكاً فى يدى بمفاتيح كبرى منها مثلاً الموقع الإستراتيجى وممراته البحرية والجوية... والوزن الحضارى لأمة بأكملها إلى جانب مواردها الإنسانية والاقتصادية والعسكرية - منها فى النهاية مثلاً البترول وفوائض أمواله".
وحاول "كيسنجر" ليلتها أن يعاند قائلاً إنه يفضل الحديث عن المرئى والمحسوس. وليس عن التاريخى والمجرد.
وواجهته ليلتها بخشيتى من أن يكون تفكيره وتخطيطه متجهان إلى عقد صلح منفرد بين مصر وإسرائيل، ولم يجهد نفسه طويلاً فى إخفاء أن ذلك بالفعل هدفه وإن كان قد حاول تغليفه بصياغات بارعة.
ووجدت من واجبى أن أقول له ليلتها "إن ذلك الطريق لن يؤدى بالمنطقة إلى سلام وإنما سوف يؤدى بها إلى كارثة محققة".
وذهبت فى صباح اليوم التالى إلى الرئيس "السادات" وكان يقيم فى قصر الطاهرة وقابلته فى غرفة نومه وشرحت له كل مخاوفى.
لكن ضغوط "هنرى كيسنجر" كانت أقوى منا جميعاً".
ورد "دافيد روكفلر" بقوله:
- "ولكن لابد أن "هنرى" يعرف ما يفعله. إنه يدرس قضاياه جيداً ثم إنه واسع العلم شديد الذكاء... وقد استطاع الحصول على ثقة "السادات" بغير تحفظات. نحن أيضاً نثق فيه لكننا فى البنوك لا نعرف الثقة بغير تحفظات".
وقلت بسرعة: ولا السياسة تعرف - أو يجب أن تعرف - هذا النوع من الثقة العمياء".
وقال "دافيد روكفلر": "سوف أتحدث مع "هنرى" فى آرائك وقد ترى مناسباً أن نجتمع نحن الثلاثة مرة أخرى على غداء أسمعكما فيه تتحاوران أمامى حول ما تقوله الآن".
وكان "هنرى كيسنجر" وقتها وزيراً للخارجية ومستشاراً للأمن القومى فى نفس الوقت مع الرئيس الأمريكى "جيرالد فورد" وهو نفس الموقع الخطير الذى وضعه فيه "ريتشارد نيكسون" الذى كانت فضيحة "ووتر جيت" قد أطاحت به.
وكان نفوذ "كسينجر" أيامها فى السماء.. ففى الشهور الأخيرة من رئاسة "نيكسون" كانت فضيحة "ووتر جيت" تحاصره وتحدد قدرته بما جعل "هنرى كيسنجر" يملك فعلاً سلطات الرئاسة كلها فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.
وقد قالها لى "هنرى كيسنجر" بنفسه فى القاهرة عندما التقينا. وقالها لغيرى وبينهم الرئيس "السادات". قال لنا صراحة: "فيما يتعلق بالسياسة الخارجية فإن عليكم أن تتعاملوا معى وكأننى رئيس الولايات المتحدة"!
(وأتذكر أننى اعترضت عليه وقتها وقلت له "إننى لا أستطيع التسليم بهذه المقولة وإنه من الخطر أن يتصور أى فرد منا أنه فوق كل القوى والمؤسسات مهما كانت ملابسات الظروف!).
وعندما حل "جيرالد فورد" محل "ريتشارد نيكسون" فى البيت الأبيض زاد نفوذ "هنرى كيسنجر" ولم يقلّ، لأن الرئيس الجديد وإن لم يكن محاصراً بالفضيحة كان عاجزاً بالجهل حتى عن النطق السليم بالقرار فى ميدان السياسة الخارجية!
كان نفوذ "هنرى كيسنجر" فى السماء لكنه ظل كما كان قبلها وكما ظل بعدها موظفاً لدى أسرة "روكفلر". كان قبل "نيكسون" واحداً من مساعدى "نيلسون روكفلر" الشقيق الأكبر لـ "دافيد روكفلر" - وكان "نيلسون" قد ترك مجال قوة المال المضمرة إلى مجال أضواء السياسة السافرة ورشح نفسه للرئاسة. ثم عاد "هنرى كيسنجر"، بعد فترة السلطة فى البيت الأبيض وفى وزارة الخارجية وفى الاثنين معاً لبعض الوقت، ليعمل رئيساً لمجموعة مستشارى بنك "تشيز مانهاتن" أى أسرة "روكفلر"!
لابد لنا هنا من وقفة.
فلو أننى واصلت الحديث بنفس السياق لوجدتنى - على الرغم منى - أعزز انطباعاً حاولت نفيه وأقصد به الانطباع بأن "دافيد روكفلر" هو الذى يحكم القرار الأمريكى. وأنا لا أقصد ذلك ثم إنه غير حقيقى كما أشرت قبلاً.
لقد حددت ما أقصده تماماً فيما سبق حين قلت:
"ان "دافيد روكفلر" بموقعه أو موضعه على قمة تركيبة اقتصادية ومالية هائلة، له صوت مؤثر فى القرار الأمريكى ضمن أصوات أخرى بالطبع بحكم تعددية القوى فى المجتمع الأمريكى".
هذا بالضبط ما قصدته وهو يقودنا إلى مجموعة أسئلة:
- من هو "دافيد روكفلر" بالضبط؟
- ما هو موقعه أو موضعه؟
- ومن أى تركيبة لقوة المصالح الاقتصادية والمالية المؤثرة؟
- وما هى مجالات هذا التأثير؟ وآفاقه؟ وحدوده؟
- وكيف يقع هذا التأثير فى السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية كما تعرض نفسها علينا كل يوم؟
وهذه كلها أسئلة لابد أن نجيب عليها - أو نحاول - ما دام واقع التاريخ المعاصر قد حكم علينا - وعلى غيرنا - بالتعامل مع القوة الأمريكية. وفى حالتنا نحن بالذات تبدو الحاجة إلى الإجابة أكثر ضرورة وإلحاحاً، فنحن لا نتعامل فقط مع الولايات المتحدة الأمريكية ولكننا أكثر من ذلك لا نعرف - وربما لا نريد - أن نتعامل مع غيرها فى سنوات الجفاف والقحط التى نعيشها الآن..... جفاف الفكر وقحط الخيال!
ونحن نتعلم لغة غيرنا لكى نستطيع أن نتكلم معه. لكننا إذا أردنا أن نفهمه تعين علينا أن نغوص إلى أعمق من مجرد تعلم لغته... يصبح لازماً فى هذه الحالة أن نحاول التعرف على تجربته.
لغة الآخرين تكفى للكلام معهم. لكن تجربتهم لا غنى عنها لفهم تصرفاتهم ومحركاتهم إليها لأن تجربة أى مجتمع إنسانى هى ذخيرته التى يستند إليها فى كل أحواله، وهى ضابط أفعاله وردود أفعاله.
...............
[لا أستطيع فى نطاق هذا الحديث أن أتعرض للتجربة الأمريكية - كمدخل إلى فهم تركيبة القوة الأمريكية وقرارها وأصحابه.... إلى آخره - إلا فى أضيق الحدود وبالقدر الكافى لإعطاء لمحات سريعة قد تكشف الشكل العام - مجرد الشكل العام - لكيان هائل ومعقد ومشحون:
- وعلى ذلك فلنقل إن التجربة الأمريكية عمرها خمسة قرون. من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين (وهذا صحيح فإن "كريستوفر كولومبس" ومن جاءوا بعده من الملاحين العظام وصلوا إلى نقط مخالفة من شواطئ الدنيا الجديدة فى الجسر الزمنى الذى يربط نهايات القرن الخامس عشر ببدايات القرن السادس عشر).
- ولنقل إن القرن السادس عشر كان قرن الاستكشاف والهجرة من العالم القديم (أوروبا) إلى العالم الجديد (أمريكا) فما أن انفتحت الأبواب بعد الاستكشاف حتى هرع الذين ضاق بهم العالم القديم عبر البحر إلى الأرض الموعودة. وكانوا أخلاطاً غريبة من البشر فالذين يركبون البحر مهاجرين فى تلك الأيام كانوا هم الذين لم يجدوا لأنفسهم ملاذاً آخر.
المضطهدين دينياً أو عنصرياً، والثوار والحالمين، الهاربين والمنفيين والمغامرين والجائعين، والباحثين عن فرصة ضاعت منهم حيث كانوا وظنوا أنهم يلحقون بها فى عالم جديد.
- ولنقل إن القرن السابع عشر كان قرن الترويض والمغامرة فقد راح المهاجرون إلى العالم الجديد يحاولون السيطرة على الطبيعة فيه وعلى الناس الذين عاشوا وسطها قبلهم.
قطعوا الغابات الكثيفة وزرعوا الحقول إلى مدى البصر.
وبنوا القرى والمدن والكنائس. وفتحوا الطرق والمصانع والبنوك.
وكان الشاطئ الشرقى لأمريكا - وهو شاطئ الأطلنطى المواجه لأوروبا من حيث جاءت موجات الهجرة ولا زالت تجىء - هو نقطة الارتكاز فى كل قرن الترويض والمغامرة، ومنه كان الانطلاق إلى القلب فى اتجاه الغرب باستمرار فقد كان الغرب هو الأفق المفتوح والزحف فى اتجاهه. مستمر.
- ولنقل إن القرن الثامن عشر كان قرن تأسيس دولة. فى بدايته كانت الإمكانيات الطبيعية الأمريكية الهائلة قد أفضت بكل أسرارها فإذا هى أغنى القارات بالظاهر على سطحها والكامن تحت السطح. أرض شاسعة ومياه غزيرة وثروة حيوانية بغير حدود. ومعادن. وقد أحدث تفاعل العناصر بين أنواع وأشكال وألوان المهاجرين مجتمعات فوارة بالحيوية. ثم إنه أنتج شخصية مختلفة لا تحمل مواريث أو أعباء تاريخية أو أسطورية، فالذين جاءوا إلى العالم الجديد كان عليهم جميعا أن يبدأوا من جديد. وكان معيارهم واحداً - وهو الذى صاغ فيما بعد فكرهم - وهو معيار النتائج. بمعنى أن المفاضلة بين الخيارات لا تجرى إلا بمعيار فائدتها لهم، وهذا هو المنطق الطبيعى فى كل مغامرة مع المجهول.
ولا يمكن فهم عملية إبادة الهنود الحمر على سبيل المثال بمعيار الدين والأخلاق ولكن يمكن فهمها وبصرف النظر عن أحكام القيمة - من تصور المهاجرين الجدد أنهم أولى بهذه الأرض من أصحابها الأصليين الذين لا يعرفون ماذا يفعلون بها.
ولأن المهاجرين الجدد أدركوا أنهم لا يستطيعون الاعتماد على حماية أسيادهم القدامى من ملوك وأمراء وساسة القارة القديمة، الذى لم يكن لهم غير جباية الضرائب والقهر فى دول الظلم التى دفعت المهاجرين إلى ركوب البحر - فإن كل مهاجر جرى لمطاردة فرصة سنحت له - وكان عليه أن يحمل معه بندقيته التى أصبحت الآن مصدراً واحداً ووحيداً لكل قانون.
وبمعيار النتائج وحدها وبقانون الرصاص وحده نشأ مجتمع جديد - أو مجتمعات جديدة - انطلقت بغير حدود فى إعصار من العنف لا تخفف من وطأته وساوس من أى نوع ولا تحكمه إلا نوازع الامتلاك والتوسع.
وكان الشاطئ الشرقى للعالم الجديد - على الأطلنطى - ما زال نقطة الارتكاز، وفيه بالتراكم والتفاعل والحركة نشأ هيكل مجتمع تجارى وصناعى حى وقادر برزت فى وسطه جماعات رأت أن عالمها الجديد يستحق أن تكون له دولته المستقلة عن الإمبراطوريات الاستعمارية فى أوروبا. ثم إن العناصر المفكرة والمثقفة فى هذا المجتمع التجارى والصناعى بدأت تعطيه فكراً خاصاً ينسجم مع ظروفه وقيمه.
وهكذا شهد الربع الأخير من القرن الثامن عشر نقط تحول ثلاث كبرى:
الحرب ضد الاستعمار القديم. ثم إعلان الاستقلال. ثم الدستور الأمريكى.
وكانت تلك كلها فى ذلك القرن أهم معارك الحرية والمساواة بين الناس وحقهم الذى لا يناقش فى السعى إلى ما يوفر لهم سعادتهم بصرف النظر عن كل أحكام "القيمة"!
- ولنقل إن القرن التاسع عشر كان قرن بناء وتركيز وتأكيد أوضاع الدولة الجديدة.
وقد شهد علامات تشير إلى رؤى مستقبلية.
شهد مبدأ "مونرو: وبمقتضاه كانت الدولة الأمريكية الجديدة تقول للعالم الأوروبى القديم إن المحيط فاصل بينهما وأن خط الوسط على أمواجه حد لا ينبغى تجاوزه إلا بحساب لأن "ناحيتهم" من المحـيط لا تريد أن تفحم نفسها فى صراعات أوروبا وهى لا تقبل أن تقتحم عليها أوروبا شاطئها الجديد. وكان هذا هو مضمون وصية "واشنطن" بطل حرب الاستقلال فى آخر خطاب له.
ثم جاءت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب ولم تكن فى حقيقة أمرها حرب تحرير العبيد وإنما كانت حرب توحيد الدولة الجديدة وترسيخ إمكانات مواردها وقوتها وتوسعها.
وكان التوسع نحو الغرب على أشده وكان الآن يجرى - بالبخار - على خطوط السكك الحديدية. ثم أعطاه اكتشاف البترول طاقة جبارة. وعندما بلغ التوسع نحو الغرب مداه وجد العالم الجديد نفسه يطل على المحيط الآخر وهو المحيط الهادى.
وكانت جماعات الشاطئ الشرقى ما زالت هى القوة الموجهة والمحركة لبناء هذا العالم الجديد واستقلاله وتوحيد سيادته فيما أصبح الولايات المتحدة الأمريكية. وفى نفس الوقت الاحتفاظ به بعيداً عن أوروبا ومشاكل عالمها القديم ونزاعاته وحروبه وثوراته.
- ولنقل إن القرن العشرين أصبح قرن الإمبراطورية. فقد بدأت الولايات المتحدة بما صنعته وحققته تصبح قوة متميزة وممتازة. إذ أقامت قوة اقتصادية متينة البناء شامخة الصروح. وتكونت فيها ثروات بلغت حدوداً خرافية. وبرزت أنماط من السلوك تداخلت فيها الحرية والمساواة وطلب السعادة مع التعصب ونزاعات القوة والعنف والسيطرة.
وراحت الولايات المتحدة تحاول بسط نفوذها جنوباً إلى أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية، ثم راحت تقفز عبر المحيط الهادى إلى شواطئ آسيا الشرقية، ثم وجدت نفسها فى مصالح متشابكة مع العالم القديم.
ولم تكن تعرف بالضبط ماذا تريد، ولكنها كانت تتحسس طريقها إلى إرث الإمبراطوريات القديمة، وتلك دورة التاريخ الطبيعية إذا تذكرنا فكر "ابن خلدون".
المصدر

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat