العاب

اعضاء

اعلانات

مدونات

صور

افلام

صوتيات

مجموعات

احداث

استطلاعات

منتديات

مقالات

الواح

دردشة
مقالات
مختصر سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
02-26-10

 

 

في ذكرى المولد النبوي الشريف - كتب الشيخ حازم أبو غزالة في صحيفة السبيل

تاريخ النشر : 25/02/2010

 

في ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما عسانا أن نكتب عن شخصية هذا النبي الكريم الرؤوف الرحيم، الذي جعله الحق حادياً يحدو بقلوب أمته باتباعه عليه الصلاة والسلام، وهو الدليل الذي يسلك بهذه الأمة في الدروب الصعبة والمتاهات التي لا يعلمها إلا من اتبعه وسلك سبيله، إذ كل الطرق والسبل مهلكة إلا الطريق الذي يسلكه عليه الصلاة والسلام، فمن حاد عنه؛ ضل وهلك، ومن مشى خلفه واتبع سبيله؛ نجا وسعد.

مولد وحياة النبي عليه الصلاة والسلام

ولد عليه الصلاة والسلام بمكة المكرمة في المكان المعروف بسوق الليل قبيل فجر يوم الاثنين ثاني عشر/ربيع الأول من أبوين كريمين رفيعين النسب، فنسبه عليه الصلاة والسلام من جهة أبيه هو: سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان إلى نسب سيدنا إسماعيل ابن إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام.

أما نسبه من جهة أمه عليه الصلاة والسلام؛ فهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فهي تجتمع مع أبيه في النسب.

ولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يتيماً فقد توفي والده وأمه حامل به، وبعد مدة قصيرة من وفاة والده توفيت والدته السيدة آمنة بنت وهب، فأصبح يتيماً من الأبوين، وفي ذلك الوقت أصبح عليه الصلاة والسلام محروماً من عطف الأب وحنان الأم، وهنا إشارة من الحق سبحانه وتعالى في أنه أراد أن يتولى تربية حبيبه من غير أن يكون لغيره سبب في هذه التربية من غير حاجة لتربية وعناية أب أو أم أو شيخ، بخلاف غيره من الأنبياء والرسل فإنهم قد احتاجوا إلى مربٍّ ليتولى أمر تربيتهم وتوجيههم بإذن من الله عز وجل.

ثم تكفل برعايته جده عبد المطلب، وبعد فترة قصيرة توفي جده، فأخذه اليُتم من كل جانب.. فقد أباه وأمه وجده، عندئذ شاءت العناية الرحمانية أن يتولى تربيته عمُّه أبو طالب؛ فكان له نعم الكافل ونعم الولي ونعم النصير، فكان يؤثره على أبنائه جميعا، ويبذل له من الرحمة والعطف ما لا يستطيع الآباء بذله للأبناء.. كيف لا والعناية الإلهية والرحمة الربانية تحيطه وتشمله من كل جانب.

ترعرع عليه الصلاة والسلام وكبر قليلاً؛ فسلك طريق التجارة، فكان يذهب مع عمه أبي طالب إلى الشام في بعض أسفاره التجارية.

في غار حراء

حُبِّب للنبي عليه الصلاة والسلام الاختلاء والتفرد والتفكر في ملكوت السموات والأرض، وكان اختياره عليه الصلاة والسلام لهذه العزلة طرفاً من تدبير الله تعالى له، وليُعدَّه لما ينتظره من الأمر العظيم، ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثّر في واقع الحياة وأن تغير معالم الوجود؛ لا بد لها من خلوة وعزلة بعض الوقت وانقطاع عن شواغل الدنيا، وكان المكان الذي يعتزل به هو غار حراء.

بدء النبوة

ولما أصبح عليه الصلاة والسلام في الأربعين، وتهيأت نفسه الزكية لتلقي الرسالة الخالدة؛ نزل عليه أمين الوحي بسورة (اقرأ) ثلاثاً، ليرجع إلى زوجته خديجة تزمِّله وتطمئنه، ولتكون المصدِّقة الأولى والبلسم الشافي له.. في ذلك الوقت فتر الوحي عن رسول الله عدة أيام ليذهب عنه صلى الله عليه وسلم الروع والخوف.. وعرف أنه عليه الصلاة والسلام قد أصبح نبياً لله الكبير المتعال، فتقلّصت بذلك ظلالُ الحيرة، وثبتت أمام عينيه الحقيقة التي جاء بها أمين الوحي جبريل بأنه نبي الرحمة عليه الصلاة والسلام.

روى البخاري عن جابر بن عبد الله؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث عن نزول الوحي جبريل عليه السلام للمرة الثانية، فقال: «.. فبينما أنا أمشي؛ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قِبَلَ السماء، فإذا الملَك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فخفْتُ منه؛ حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زمِّلوني زمِّلوني، فزمَّلوني، فأنزل الله تعالى: }يا أيها المدثِّر{ إلى قوله: }فاهجُرْ{، ثم حميَ الوحيُ وتتابع».

في هذه الآية الكريمة تلقَّى النبي عليه الصلاة والسلام أوامر عديدة من الكبير المتعال بأن يتهيأ ويستعد للأمر الجليل الذي ينتظره، والعبء الثقيل المهيَّأ له.

بدء الدعوة إلى الإسلام

الدعوة سراً

ومنذ أن سمع عليه الصلاة والسلام هذا النداء الجليل؛ بدأ بالدعوة إلى الله، فعرض الإسلام على أقرب الناس إليه من آل بيته وأصدقائه ومن عهد إليهم بالصدق والصلاح، فكانت السيدة خديجة أول من آمنت به من النساء، وأول من آمن به من الرجال سيدنا أبو بكر الصديق، ومن الصبيان علي بن أبي طالب، وكان زيد بن حارثة أول الموالي إسلاماً.

وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه صِدّيقاً وصَديقاً للنبي عليه الصلاة والسلام، فعندما أخبره برسالة الله أسرع بالتصديق، وقال: بأبي وأمي أنت.. أهل الصدق أنت، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حقه: «ما دعوتُ أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة؛ غير أبي بكر».

وكان أبو بكر رضي الله عنه عظيماً في قومه، يثقون برأيه، فقام بنشر دعوة الله ودعوة نبيه الكريم، فأجابه بذلك عثمان بن عفان، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص، عبيد بن الحارث بن عبد المطلب، عمار بن ياسر، أمين هذه الأمة أبو عبيدة الجراح، وعبد الله بن مسعود وأخرون غيرهم كثر.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يجتمع بهم ويرشدهم في أمور دينهم، ودامت هذه الدعوة سرية مدة ثلاثة أعوام. وهذه هي صفة المربي الكامل الذي يجتمع بمريديه وإخوانه؛ فيعمل جاهداً على تربية نفوسهم وترقية أرواحهم ليزدادوا قرباً وحباً من مولاهم عز وجل، فيحثّهم على الذكر الدائم، والتوجه بكل أنفاسهم إلى ربهم عز وجل.

الدعوة جهراً

وبعد مضي ثلاثة أعوام على الإسرار بالدعوة؛ أُمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة؛ ليرتفع نور الحق في كل مكان، وتسمعه أذن كل كبير وصغير، فأنزل عليه }فاصدَعْ بما تؤمر وأعرِضْ عن المشركين{، فبادر لامتثال أمر ربّه، وأعلن لقومه الدعوة إلى دين الله تعالى، وصعدَ على الصفا، «ونادى بأهل قريش، فلما اجتمعوا قال لهم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تُغِيرَ عليكم؛ أكنتم مُصَدِّقيَّ. قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذباً، فقال: إني لكم نذير بين عذاب شديد، فقام أبو لهب من بينهم وقال: تباً لك؛ ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى في شأنه }تبَّتْ يدا أبي لهب وتبّ{.

وقد كانت امرأة أبي لهب تمشي بالنميمة في نوادي النساء وتتقوّل الأكاذيب على رسول الله؛ فتشعل بذلك نار الفتنة، ثم أنزل الله تعالى عليه: }وأنذِرْ عشيرتك الأقربين{.

فجمعً من بني عبد مناف نحو الأربعين وقال لهم: ما أعلم إنساناً جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، قد جئتكم بخيرَي الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، والله لو كذبت الناسُ ما كذبتُكم، والله لو غررت الناس ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة. والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجدون بالإحسان إحساناً، وبالسوء سوءاً، وإنها لجنّة أبداً أو لنار أبداً. فتكلّم القوم كلاماً ليّناً. وقام أبو لهب وقال: سرعان ما سحرَكم صاحبُكم، خذوا على يديه قبل أن تجتمع عليه العرب. فمانعه في ذلك أبو طالب. وتفرّق الجمع».

عام الحزن

وبعد ثلاثة أعوام من الحصار والمقاطعة؛ اشتد البلاء على رسول الله بموت زوجته خديجة رضي الله عنها، وموت عمّه أبي طالب، حتى سمّاه رسول الله عام الحزن، فقرّر عليه الصلاة والسلام الخروج إلى الطائف آملاً من أهل الطائف أن يُؤووه وينصروه، فدعاهم إلى الله عز وجل؛ فلم يجيبوه إلى شيء، وكانوا يؤذونه ويرمونه بالحجارة، وقد كان مولاه زيد بن حارثة يَقيه بنفسه، فقرّر الخروج من الطائف لأنه لم يَرَ من أهلها إلا الأذى وعدم قبول دعوته، وعندما خرج من الطائف بقليل جلس الرسول الكريم تحت شجرة وأسند ظهره إليها، ودعا بالدعاء الذي يدلّ على امتلاء قلبه حزناً وكابةً مما لقي من الشدة، وأسفاً على أنه لم يؤمن بدعوته أحد، وقال: «اللهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمّني؟ أم إلى عدو ملّكتَه أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن يدركني غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك»، وفي طريقه إلى مكة حزيناً كسير القلب؛ أرسل الله عز وجل إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يُطْبق عليهم جبلَي مكة، فأجابه النبي الكريم: «بل أرجو أن يُخرج عز وجل من أصلابهم مَن يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئاً».

وفي هذا الجواب الذي أدلى به الرسول الكريم دليلٌ على الشخصية الفذّة وما كان عليه من الخُلق العظيم من الحلم والصبر ونور البصيرة؛ بأن الله عز وجل سيرفع نور هذا الدين وكلمة الحق، ولكن الأمر يحتاج إلى الإرادة والصبر والتسليم لمراده تعالى، وكما جاء في وصف الرسول العظيم: }وإنك لعلى خلُق عظيم{.

بيعة العقبة الأولى والثانية

وقد تلا حادثة الإسراء والمعراج بيعة العقبة الأولى والثانية، ففي السنة الحادية عشر من النبوة وفي موسم الحج؛ التقى صلى الله عليه وسلم بستة شباب من أهل يثرب، وهم: أسعد بن زرارة بن عدس، عوف بن حارث بن رفاعة، رافع بن مالك بن العجلان، عقبة بن عامر بن نابي، قطبة بن عامر بن حديدة، جابر بن عبدالله بن رئاب. وواعد هؤلاء الشباب النسمات الطيبة الرسول الكريم بإبلاغ رسالة الحق ونشر الدعوة الإسلامية بين قبائلهم.

وفي موسم الحج التالي من السنة الثانية عشرة من النبوة؛ التقى صلى الله عليه وسلم بخمسة من الرجال الذين بايعوه في العام السابق وسبعة سواهم، وبايعوا هؤلاء الرجال الرسول عند العقبة بمنى، وسُمِّيت هذه البيعة بيعة العقبة الأولى.

وقد روى البخاري عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا، فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله، فأمْرُه إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه».

وأما بيعة العقبة الثانية؛ فقد جاءت في موسم الحج في السنة الثالثة عشر من النبوة، فقد حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفساً من المسلمين من أهل يثرب، فاجتمع برسول الله ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان وبايعوه.

بدء الهجرة

ولما تمّت البيعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وانتشر الإسلام، وازداد توسعاً، وازداد أذى المشركين؛ أذِنَ صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة، فبادر الناس إلى امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وبادروا للخروج أفواجاً أفواجاً.

ولم يبق من المسلمين في مكة إلا رسول الله وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، وقد أعدّ أبو بكر جهازه وجهاز رسول الله منتظراً إذنَ الله عز وجل لرسوله في الخروج.

التخطيط لقتل النبي عليه الصلاة والسلام

وعندما شعر المشركون بتفاقم الخطر الذي كان يهدّدهم ويهدّد كيانهم؛ صاروا يبحثون عن أنجع الوسائل لدفع هذا الخطر للقضاء على نور هذه الدعوة والقضاء على حامل لوائها، فتمّ اتخاذ القرار بقتل النبي صلى الله عليه وسلم.

ولما حدّدت قريش موعد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نزل أمين الوحي جبريل بوحي من ربه تبارك وتعالى، فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدّد له وقت الهجرة قائلاً: لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه.

واتفق النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي بكر للخروج من مكة المكرمة ليلاً، أما كفار قريش فقد كانوا يخططون لتنفيذ خطتهم لقتل النبي الكريم، وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل، فباتوا متيقظين ينتظرون، ولكن رعاية الله وعنايته لنبيه حالت دون ذلك، فهو المحفوظ بحفظ من الله ملك السموات والارض، وكما قال تعالى: }إذ يمكر الذين كفروا ليُثْبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين{.

ومع غاية استعداد قريش لتنفيذ خطتهم فقد فشلوا فشلاً ذريعاً، فمن حكمته صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب: «نَمْ في فراشي، وتسجَّ ببُردي هذا الحضرمي الأخضر، فنَمْ فيه؛ فإنه لن يَخْلص إليك شيء تكرهه منهم»، ففعل عليٌّ ذلك، وخرج صلى الله عليه وسلم، واخترق صفوفهم، وأخذ حفنة من التراب، فجعل يذرّه على رؤوسهم وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا يرونه وهو يتلو }وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فاغشيناهم فهم لا يبصرون{، فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه التراب.

هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم

مضى صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر فتوجّها إلى غار ثور، وعندما علمت قريش بنجاة الرسول صلى الله عليه وسلم من القتل؛ خرجوا يطلبونه في طريق مكة المعتاد، فلم يجدوه واتجهوا إلى طريق اليمن، ووقفوا عند باب الغار؛ يقول بعضهم: لعلّه وصاحبه في هذا الغار، فيجيبه الآخرون: ألا ترى إلى باب الغار كيف تنسج عليه العنكبوت خيوطها، وكيف تعشش فيه الطيور، مما يدل على أنه لم يدخل هذا الغار أحد، وأبو بكر رضي الله عنه يرى أقدامهم وهم واقفون على باب الغار، ويقول لرسول الله: والله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، فيُطمئنه صلى الله عليه وسلم بقوله: «يا أبا بكر؛ ما ظنّك باثنين الله ثالثهما».فأنزل الله عز وجل قوله: }إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا..{.

وأما الكلمة الرائعة لرسول الله لسيدنا أبي بكر: «يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» فإنها تدل على كمال الثقة بالله، والاطمئنان بأن الله سينصره، وأنه مُكَلَّل برعاية الله وحفظه.

وبعد ثلاثة أيام من البحث والتفتيش على رسول الله من دون جدوى، وعندما علم عليه الصلاة والسلام أن قريش أوقفت عمليات البحث؛ تهيأ صلى الله عليه وسلم وصاحبه للخروج إلى المدينة، فاستأجرا عبد الله بن أريقط الليثي هادياً ماهراً بالطريق، وأخذ بهم الدليل على طريق الساحل؛ حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس؛ اتجه شمالاً على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وسلك بهم طريقاً لم يسلكه أحد إلا نادرا حتى وصلا إلى قباء، وفي طريقهم لقي النبي أبا بريدة وكان رئيس قومه، خرج في طلب النبي وأبي بكر، رجاء أن يفوز بالمكافأة الكبيرة التي كانت قد أعلنت عنها قريش، ولما واجه صلى الله عليه وسلم وكلّمه؛ أسلم ومعه سبعون رجلاً، ثم نزع عمامته وعقدها برمحه فاتخذها راية تعلن أن نبي الرحمة قد جاء ليملأ الدنيا عدلاً وقسطاً.

ولقي أيضا صلى الله عليه وسلم في طريقه الزبير وهو في ركب المسلمين، فكسا الزبير رسول الله وأبا بكر ثياباً بيضاء.

رسول الله في المدينة المنورة

وفي يوم الاثنين ٨ ربيع الأول في السنة الرابعة عشرة من النبوة؛ كان نزوله صلى الله عليه وسلم بقباء، وعندما وصل كبَّر المسلمون فرحاً بقدومه، وخرجوا للقائه فرحين مبتهجين وقد نزل الوحي على رسول الله بقوله تعالى: }فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير{.

وأقام صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخيمس.

أعمال رسول الله في المدينة

وعندما استقر صلى الله عليه وسلم في المدينة فكانت أول خطوة خطاها هي إقامة المسجد النبوي، ففي المكان الذي حطّت فيه الناقة أمر ببناء المسجد، وساهم ببنائه بنفسه، وكان ينقل اللبن والحجارة ويقول: «اللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة».

وكما قام صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلاً، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الانصار، وكانوا يتوارثون في ابتداء الإسلام إرثا مقدَّماً على القرابة، حتى نزل قوله تعالى: }وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض{، والمؤاخاة هي أقوى دليل على مظاهر عدالة الإسلام، فالمهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم فجاؤوا المدينة لا يملكون شيئا، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يقسم سراء الحياة وضراءها بين الأنصار والمهاجرين.

وبتلك المحبة التي زرعها رسول الله بين المهاجرين والأنصار وبكمال أخلاقه الشريفة استطاع أن يبني في المدينة مجتمعاً محمدياً أساسه المحبة والعدل والكرم، ما أهّل هذا المجتمع لأنْ يواجه كل التيارات القاسية التي وجهتها ضربات قريش لهم.

وفي السنة الثانية للهجرة من شهر شعبان أمر الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، وأمر الله عز وجل بصيام شهر رمضان.

إلى الرفيق الاعلى

ولما تكاملت الدعوة الإسلامية، وانتشر الإسلام في كل مكان، وأدى عليه الصلاة والسلام الأمانة، فجزاه الله عنا كل خير، أخذت طلائع التوديع تتضح من خلال عباراته وأفعاله عليه الصلاة والسلام، فقد اعتكف في رمضان من السنة العاشرة للهجرة عشرين يوماً، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام، وتدارس القرآن مرتين مع جبريل عليه السلام.

وفي أوائل صفر سنة ١١هـ؛ خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أُحُد، فصلى على الشهداء كالمودع للأحياء والأموات، ثم صعد المنبر فقال: «إني فرطكم، وإني شهيد عليكم، وإني واللهِ لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني واللهِ أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».

وفي اليوم التاسع والعشرين من شهر صفر سنة ١١هـ؛ شهد صلى الله عليه وسلم جنازة في البقيع، وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه، واتّقدت الحرارة في جسمه الشريف. وقد صلى النبي بالناس وهو مريض ١١ يوماً.

وثقل المرض بالنبي عليه الصلاة والسلام، فجعل يسأل أزواجه: أين أنا غداً؟ ففهم أزواجُه مرادَه، فأذنَّ له أن يكون حيث يشاء، فانتقل إلى عائشة يمشي بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب، وقضى عندها آخر أسبوع من حياته.

وقبل أربعة أيام من الوفاة؛ خرج صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وهو معصوب الرأس، فخطب بالناس، وعرضَ نفسَه للقصاص قائلاً: «مَن كنتُ جلدتُ ظهره فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمتُ له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه».

وفي يوم الاثنين ١٢ ربيع الأول سنة ١١هـ؛ بدأ عليه الصلاة والسلام بالاحتضار، فأسندته عائشه إليها وكانت تقول: إن من نعم الله عَلَيّ أن رسول الله توفي في بيتي وفي يومي وبين سَحْري ونحري، وإن الله جمعَ بين ريقي وريقه عند موته، وقد أحضر عبد الرحمن بن أبي بكر السواك لرسول الله، فاستنّ به كأحسن ما كان مستتناً وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت سكرات.وهي سكرات الشوق لله. وبعد أن فرغ عليه الصلاة والسلام من السواك رفع أصبعه وتحركت شفتاه وأصغت إليه عائشة قائلا: «مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى» كرر الكلمة الأخيرة ثلاثاً، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى. إنا لله وإنا اليه راجعون.

وعندما أشيع خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ اضطرب الصحابة جميعاً لهول الكارثة، فمنهم من عقل لسانه، ومنهم من أُقعد عن الحركة، ومنهم - وهو عمر بن الخطاب - من أشهر سيفه ينهى الناس أن يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، ولكن أبا بكر وحده الذي كان ثابت الجأش، فدخل على رسول الله وهومسجى على فراشه، فقبّله وقال له: بأبي وأمي أنت يا رسول الله! ما أطيبك حياً وميتاً! أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً، يا رسول الله؛ اذكرنا عند ربك.

ثم خرج إلى الناس، فخطب بهم وقال: أيها الناس، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: }وما محمد إلا رسولٌ قد خَلَتْ من قبله الرسل أفإنْ مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين{، فلما تلاها أبو بكر أفاقوا من شدة الصدمة، وكأنهم لم يسمعوا من قبل.

 http://www.assabeel.net/ar/default.aspx?xyz=U6Qq7k%2bcOd87MDI46m9rUxJEpMO%2bi1s739yZggET8VSnJOia4sp39yXbSBbuOuvM%2bmWQmhEBJPmshwJDESHGyapU1AqEc/pRPDSwcnIlJCuBUegFFuAP5qw4XD5E%2b6v56/UQtV8Jwpg%3d

Powered by:
Hakaya Technologies
جميع حقوق النشر محفوظة © 2010 حكايا للتقنيات