Games

Members

Ads

Blogs

Photos

Videos

Music

Groups

Events

Polls

Forums

Articles

Boards

chat
Articles
وضع العرب أسوأ مما تقوله التقارير /الجزء الأول
01-15-10

 

 

في حوار مع برهان غليون أجراه (سيدي أحمد ولد أحمد سالم) من مركز الجزيرة للدراسات

الموافق3/1/2010 

 

سنة تمضي بمرها وحلوها وأخرى تأتي بآمالها ومخبآتها، إنها حركة الزمن الدائبة، ولا شيء يمكن أن يكون خارج الزمن. كل كلام عن الزمن يؤدي بالضرورة إلى الكلام عن الوعي بهذا الزمن وبوجودنا في خضمه. وقد مرت أحداث على عالمنا العربي خلال السنة المنصرمة بعضها جلي وأغلبها ملتو وخفي، وهي تحتاج إلى وقفة الراصد والمحلل المتبصر والمفكر المتعمق.

 

للوقوف على بعض المسارات العربية وفهم مستغلقاتها حاور مركز الجزيرة للدراسات المفكر العربي برهان غليون، مدير مركز الدراسات العربية والشرق المعاصر، وأستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة السوربون بباريس، للوقوف على بعض تصوراته الفكرية وتحليلاته الإستراتيجية حول جملة من مواضيع الساعة.

 

المحور الأول: العرب وجيرانهم

كيف تفسرون الحضور التركي المتنامي في المنطقة، بما في ذلك في الرقعة العربية؟

تركيا اليوم دولة فاعلة والدولة الفاعلة تجذب غيرها تماما كما يجلب النجاح الشهرة والجاه. وهكذا بعد عزلة طويلة عن محيطها، دفعتها إلى الالتصاق بالكتلة الغربية، قبل أن تتحول إلى حليف إستراتيجي لإسرائيل، عادت تركيا إلى بيئتها الجيوسياسية الطبيعية وأخذت تلعب دورا متميزا في شؤونها السياسية والإستراتيجية والاقتصادية.

 

والسبب الذي جعل منها دولة فاعلة تجذب إليها الدول المحيطة بها أو المحتاجة لمساعدة أو دعم خارجيين، العربية منها وغير العربية، أنها نجحت في حل مشاكلها الداخلية، الثقافية والسياسية، ونجحت في سياستها الاقتصادية. فتركيا تحصد اليوم ثمرة الجهود التي بذلتها في العقدين الماضيين لإرساء أسس الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، الصناعية والتقنية والعلمية، ومن وراء ذلك مصالحة تركيا مع تاريخها وثقافة شعبها وتراثه. هكذا نجحت في تجنب وتجاوز الحرب الأهلية المعلنة أو الكامنة التي عاشتها وتعيشها البلدان العربية، بين الإسلامية والعلمانية والتي تمزق الرأي العام وتشتت النخب الثقافية والسياسية وتحرم المجتمعات من تكوين أي إجماع وطني، أو حتى أغلبية سياسية يمكن من خلالها إقامة نظام سياسي مستقر قائم على أسس ثابتة من الشرعية الدستورية. وهذا ما أنتج أول تجربة سياسية فريدة في المنطقة أمكن فيها لحكومة إسلامية تعبر عن تيار الأغلبية الشعبية أن تستلم الحكم في إطار دولة علمانية، أو مع القبول بحيادية الدولة من الناحية العقدية والفلسفية، ومن دون الصراع معها أو تهديد نظامها. ولم يتحقق ذلك إلا بفضل التنازلات المتبادلة التي قبل بها طرفي الصراع. فقد قبلت النخبة العسكرية التي نصبت نفسها منذ قيام الجمهورية عام 1924 حارسا على السيادة الوطنية إلى التسليم بالأمر الواقع وقبول الشرعية الانتخابية، كما لم يتردد قادة حزب الرفاه الذي اصطدم بالعسكريين، في التراجع عن العديد من مواقفهم، بل في إعادة بناء الحزب الإسلامي على أسس ليبرالية جديدة، وتغيير اسمه للحفاظ على الخيار الديمقراطي والاستمرار في تطبيق برنامج العمل الوطني، بينما نادرا ما تجد بين الإسلاميين العرب إلى اليوم من لا يسخر من الديمقراطية ويسفه العلمانية ويكفر القائلين بها. وليس هناك شك أن وراء هذه التنازلات المشتركة التي عبرت عن نضج النخب التركية يكمن تطور مفهوم المصالح الوطنية التركية، لا من حيث هي تعزيز لوضع النخبة العسكرية وتأكيد هيمنتها، أي لا من حيث هي عنتريات سيادية شكلية ومظهرية، وإنما كبحث عن فرص تحسين شروط حياة الأتراك الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

ومثلما نجحت تركيا في إيجاد طريقها لتحقيق الديمقراطية وما تعنيه من استقرار سياسي مشجع على المشاركة وبذل الجهد والاستثمار، نجحت أيضا في تحقيق وتائر تنمية صناعية واقتصادية مرتفعة ومنتظمة منذ ما يقارب العقدين. فتحولت إلى قوة إقليمية فعلية، اقتصادية وسياسية، وازنة في بيئتها. ونجحت أخيرا في تلقف الفرصة التاريخية وملء الفراغ السياسي والاستراتيجي الذي نجم عن إخفاق القوى الإقليمية أو تراجع نفوذها، وفي طليعتها القوى الغربية التي أفقدها تخبطها في حروب العراق وموقفها في فلسطين صدقيتها، وضعف السياسة الخارجية الإيرانية وتفكك العالم العربي نتيجة إخفاقه في تحقيق أي شكل من أشكال التكتل الاقتصادي أو السياسي وتشتت شمل دوله وأقطاره ودخولها جميعا في أزمات سياسية واقتصادية وأحيانا شاملة جعلتها تلهي بمشاكلها الداخلية وتعزف عن أي مشاريع عمل إقليمية.

 

هكذا بمقدار ما تبلور مشروع وطني تركي يتمحور حول السيادة والاستقلال والحفاظ على الديمقراطية وتعزيز فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو مشروع حداثة حقيقية، تطورت بموازاته سياسة إقليمية جديدة تهدف إلى خدمته. وبدأت أنقرة، التي كانت أعظم حليف إقليمي عسكري وسياسي لإسرائيل خلال عقود طويلة سابقة، تشعر بمسؤوليتها تجاه مشاكل المنطقة ونزاعاتها. فناهضت سياسات إدارة بوش العدوانية، واستفادت من علاقتها التقليدية بتل أبيب من أجل فك العزلة السورية والسعي إلى تحقيق تسوية تضمن عودة الجولان المحتل، وعبرت أكثر من مرة عن دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني واستعدادها للعب دور في أي تسوية سياسية. وأدانت الحرب الإسرائيلية الهمجية على غزة عام 2008. ولم يتردد وزير خارجيتها في زيارة غزة ثم في إلغاء أنقرة المناورات العسكرية المشتركة التي كانت تجري، مع الجيش الإسرائيلي، على حدود سورية الشمالية. ولا يترك زعماء تركيا العدالة والتنمية مناسبة من دون أن يظهروا اهتمامهم بمصير منطقتهم وحرصهم على المساعدة في بسط الاستقرار والسلام فيها. وهم يحققون بسبب ذلك مكاسب إستراتيجية واقتصادية وسياسية وثقافية متواصلة لا تحلم بها أي من الدول العربية الرئيسية. فتركيا تحصد اليوم ثمار عملها لأنها عملت أولا ولأنها تظهر بالملموس التزامها بمنطقتها ومقدرتها على حمل المسؤولية، أي قبول بعض المخاطر والتضحيات لصالح تحقيق الاستقرار في منطقتها ومحيطها، بينما لا تكف الأقطار العربية عن تمنين بعضها البعض أي جهد تبذله هذه أو تلك لدعم قضية من القضايا القومية.

في مقابل هذا الصعود المتنامي للدور التركي يلاحظ تراجع مريع في الدور العربي بما في ذلك في مجاله الحيوي، فما السبب في ذلك؟

هذه هي النتيجة الطبيعية أيضا لإخفاق العرب في إنجاز المهام الثلاث التي نجحت تركيا في أيجاد حل مناسب لها، ضمن لها الاستقرار والتقدم المضطرد والهامش الكبير من الاستقلال والمبادرة الخارجية. فبينما كانت تركيا تجرب وتطور سياسات جديدة تماما، داخل تركيا وتجاه المنطقة المحيطة بها، العربية وغير العربية، بقيت الأقطار العربية، وبلدانها المركزية في المقدمة، ندور في الحلقة المفرغة ذاتها، وتعجز عن الخروج من المآزق الفكرية والسياسية والاقتصادية التي وضعت نفسها فيها، وتهرب من متطلبات الإصلاح بإغلاق أشد لمنظومات الفكر وللنظم السياسية وللمبادرات الاقتصادية. وبالإضافة إلى الفخ الذي نصبناه لأنفسنا في الخمسينات والستينات حول الهوية القومية والهوية الوطنية والمفاضلة بينهما، وحول نمط الوحدة المطلوبة قومية مركزية أم اتحادات إقليمية، أدخلت النخب العربية المأزومة الرأي العام في فخ الاختيار بين الهوية الإسلامية والهوية العربية أو القطرية، وصار محور جهدنا موجه لتمييز الدولة الإسلامية عن الدولة العلمانية والعكس، أي للمماحكات النظرية والسياسية. ولا تزال النزاعات بين العلمانيين والإسلاميين تفتت، منذ أكثر من ثلاثة عقود، الجمهور العربي وتمنع من قيام أي إجماع وطني، أو أغلبية سياسية تسمح بإقامة نظام سياسي يحظى بالشرعية ويحسم نهائيا أزمة التداول على السلطة، أي الاتفاق على قاعدة واضحة، هي بالضرورة الديمقراطية. ولذلك بقي الحكم عندنا من حظ الأقوى والأكثر مقدرة على الغش والخداع والتفاهم مع القوى الخارجية. ولم يعد حتى الوصول إلى هذه القاعدة هو محور النقاش العربي في الشؤون السياسية وإنما أصبح في الأقطار العربية الجمهورية، والملكية أحيانا، يدور حول أحقية الأبناء في وراثة مناصب أبائهم وكيف يمكن الحيلولة دون تعميم نموذج ما أطلق عليه البعض اسم الجملكية، أي تحويل الجمهوريات إلى ملكيات وراثية. والحال أن نظمنا السياسية بدل أن تتقدم في اتجاه الديمقراطية كما حصل في تركيا تراجعت إلى نمط من السلطة السلطانية أو المملوكية التي لا تعنى لا بموضوع الشرعية ولا بالرد على حاجات تطور المجتمعات السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

 

لقد همشت الدول العربية المركزية التي كان من الممكن أن تلعب دور استقطاب للدول الأصغر نفسها بمقدار ما راوحت في مكانها في القضايا المحورية، من قضية التنمية واستغلال فرص الاندماج الإقليمي، إلى قضية الديمقراطية وبناء إطار قانوني واضح لتداول السلطة وممارستها على جميع الأصعدة، إلى قضية التفاعل الايجابي مع حاجات محيطها وتقديم يد المساعدة للشعوب المنكوبة فيه، وفي مقدمها قضية الاحتلال للأراضي العربية، وتقرير مستقبل الشعب الفلسطيني.

 

ويكفي في هذا المجال أن نقارن على سبيل المثال بين خيارات السياسة الخارجية التركية، وقد ذكرنا أهمها فوق، وخيارات مصر ما بعد الناصرية، وهي الدولة العربية الأكبر والأم، لنعرف أسباب التفاوت في دور البلدين. وربما كان المفتاح لفهم الفارق الحاسم بين هذه الخيارات موقف كل من البلدين من المساومة على سياسته الإقليمية. فبينما حرصت مصر، لقاء تنازلات مستمرة عن مسؤولياتها الإقليمية، وهذا مطلب رئيسي أمريكي إسرائيلي، وتقوقعها على حدودها ومصالحها القطرية، على ضمان استمرار المعونة المالية الأمريكية التي حصلت عليها ثمن توقيعها اتفاقات كمب ديفيد وفرطها التحالف العربي، وهي لا تتجاوز ملياري دولار، رفض البرلمان التركي عرض الولايات المتحدة مبلغ عشرة مليارات دولار للسماح لها باستخدام أراضيها في حربها ضد العراق عام 2003 ، من دون أن تستطيع واشنطن التأثير على أنقرة أو ثنيها عن قرارها. وكان هذا الرفض تأكيدا لإرادة الاستقلال التركي الذي سيكون رأسمال أنقرة الرئيسي في مبادراتها الإقليمية في السنوات القليلة الماضية التي شهدت تصاعد دورها ونفوذها. لكن حتى عندما رفضت أن تساوم على استقلال قرارها، لم يمنعها هذا الموقف من الاستمرار في طلب الاندماج في الاتحاد الأوروبي والتعامل الايجابي مع الغرب عموما وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة. بينما نحن نخضع للأمريكيين والغربيين عموما ونشتمهم في الوقت نفسه فنخسر على الجبهتين. والواقع أن من الصعب فصلَ خيار أنقرة الاستقلالي والسيادي عن الخيارات الديمقراطية الداخلية للنخبة السياسية التركية على مختلف مشاربها.

 

ليس هناك إذن أي سر في تراجع دور الدول العربية الرئيسية التي كان يعول عليها لإعادة بناء المنطقة العربية وإدماجها، مثل مصر والسعودية وسورية وغيرها، وانحسار نفوذها جميعا في المنطقة، ما خلا ما تحقق بالقوة والقهر، وفي المقابل تقدم تركيا وتنامي دورها في الشرق الأوسط والعالم العربي خاصة. فمعظم الدول العربية اختارت التفريط بالاستقلال والسيادة للحفاظ على دعم الولايات المتحدة وأوروبة لنظمها ا لسياسية أو لحق أبنائها في توريث السلطة، وأدارت ظهرها للديمقراطية في سبيل تأكيد استقرار خادع تساوي بينه وتخليد الوضع القائم بالقوة، لتنتهي إلى إرساء تقاليد شبه امبرطورية.

 

وبدل العمل على توفير شروط الارتقاء بمستوى حياة السكان الثقافي والعلمي وتحسين شروط معيشتهم وإرساء أسس المجتمع الصناعي الحديث، قبلت النخب السائدة بسيطرة اقتصاد زبوني قائم على الاحتكار والمضاربة وتقاسم المنافع بين أقلية اجتماعية محدودة على حساب سعادة الأغلبية ومستقبل أبنائها، وهو نقيض مشروع الحداثة وعكسه. واختارت أخيرا، دعما لهذا المشروع السلطاني، سياسات سيادية مريضة لا تعني في الواقع سوى الانفصال عن محيطها العربي ورفض تحمل أي مسؤولية في ضمان مستقبل المنطقة ومستقبل أبنائها. ولا يزال التبرؤ من العروبة أو شتمها نغمة سائدة لدى أكثر من نخبة عربية سائدة تريد التنكر لالتزاماتها ومسؤوليتها والتفاهم من وراء ظهر الأقطار الأخرى لتحقيق مصالح آنية. والنتيجة لا تزال الشعوب العربية نعيش في أطر النظم ذاتها التي قامت في الستينات والتي عرفت درجات متفاوتة من الانحطاط والاهتلاك، بينما لم ننجح في تحقيق أي تنمية اقتصادية أو اجتماعية أو علمية أو تقنية. كل قطر يعيش في أزمة داخلية تمنعه من التفكير في ما وراء مسائل حماية السلطة وتأمين ديمومتها وشحذ شوكتها في مواجهة المخاطر الحاضرة والقادمة معا، ولا أحد يفكر منها بشيء آخر.

  المصدر

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B8C52CDF-C1D2-4B95-80A8-883BB7F4B1ED.htm

Powered by:
Hakaya Technologies.
Copyright © 2012 Hakaya Technologies.