Games
|
Members
|
Ads
|
Blogs
|
Photos
|
Videos
|
Music
|
Groups
|
Events
|
Polls
|
Forums
|
Articles
|
Boards
|
chat
|
Articles
Articles
في العشرين من كانون الثاني 2009 يغادر الغير مأسوف على غيابه، الرئيس بوش، ليحل محله في البيت الأبيض ويتسلم زمام الأمور في الولايات المتحدة الأميريكية الرئيس الثالث والأربعين باراك اوباما.
ولعله من المفيد أن نعرف مساحة الحرية التي يتمتع بها أي رئيس أمريكي في إتخاذ القرار حتى نحدد ما يمكن أن يقدمه لنا وللعالم أي قادم الى البيت الأبيض وهو اليوم باراك أوباما.
وقد اخترت أن أنشر هذا المقال للأستاذ محمد حسنين هيكل كتبه في 28/4/1985، أي منذ 23 عاما ، في صحيفة الأهرام ضمن سلسلة مقالاته الشهيرة (بصراحة). عنوان المقال "القرار الأمريكي ... ومن يملكه).
ونظرا لطول المقال، فإنني سأقوم بنشره على حلقات آملة أن تتم به الفائدة المرجوة.
شهناز أبو حجله
القرار الأمريكى.. ومن يملكه؟ - الجزء الثاني
محمد حسنين هيكل
وكانت للشيوعيين نظرية وهى أن القرار الأمريكى ليس لساكن البيت الأبيض، وإنما القرار فى يد حكومة خفـية تقوم على تحالف ثلاث أطراف: "وول ستريت" "حى المال والأعمال فى نيويورك"، والـ "سى. أى. أيه" " وكالة المخابرات المركزية الأمريكية"، والـ "بنتاجون" "قيادة القوات المسلحة الأمريكية".
وكان اعتقادى ولا يزال أن ذلك تبسيط مخل بالحقيقة فهو يقوم أساساً على نظرية المؤامرة فى التاريخ، والتاريخ لا يمكن أن يكون مؤامرة. بمعنى أن التاريخ قد يشهد مؤامرة، لكن التاريخ لا يمكن بأى منطق أن يتحول كله إلى مؤامرة.
وكانت لليبراليين نظرية أخرى معاكسة ومؤداها أن الولايات المتحدة مجتمع مفتوح يستطيع أى فرد فيه أن يصبح رئيساً وأن يقرر ويحكم، حرية بلا قيد من عرف، أو جنس، أو دين، أو مصلحة. وديمقراطية ذاهبة إلى أبعد مدى لدرجة أن صاحب محل خردوات صغير "ترومان" وراعى بقر من تكساس "جونسون" ومزارع فول سودانى من ألباما "كارتر" وممثل من هوليود "ريجان" - وصلوا جميعاً إلى مقعد الرئاسة من خلال اقتراع عام.
وكان اعتقادى ولا يزال أن ذلك تسطيح مسىء للحقيقة، فهو يقوم على أحلام وأوهام لا يمكنها أن تستند إليها قوة فى مثل حجم ودور وتأثير بلد كالولايات المتحدة الأمريكية!
ومع ذلك يبقى أن كل سؤال يتحتم أن يكون له جواب.
وإذا كان الجـواب الأول من الشيوعيين - على أساس نظرية المؤامرة المطلقة مخلاً... بالتبسيط.
وإذا كان الجـواب الثانى من الليبراليين - على أساس نظرية الحرية المطلقة مسيئاً.. بالتسطيح؟
... إذن فما هو الجواب؟
وظنى أن جواب هذا السؤال مسألة بالغة التعقيد وهى بالغة الأهمية لنا بالذات فى العالم العربى لسبب ظاهر هو أننا، فى هذه المرحلة، على نحو أو آخر مربوطون بسلاسل إلى الولايات المتحدة، بعضنا سلاسله من ذهب وبعضنا سلاسله من حديد!
لكى لا يفلت منى خيط الموضوع الذى أتعرض له الآن فلا بد أن أتذكر - وأذكر غيرى - بأن "دافيد روكفلر" هو هذا الموضوع الذى أتعرض له الآن ومن خلال أحاديث معه وأحاديث عنه وليس أكثر. فإذا غصت أكثر من ذلك فى السؤال المعقد والمهم عن: "من الذى يحكم أمريكا ومن الذى فى يده قرارها؟" - فإن خشيتى أن يتبادر إلى الأذهان بأن ما أقصده فى النهاية أن "دافيد روكفلر" حسب التصوير الشهير فى قصص التاريخ الأوروبى - هو ذلك الكاردينال الرمادى الذى يحكم من وراء ستار خلف العرش يهمس باستمرار لنصف الإله الجالس عليه ويتحول همسه الصادر من الظلال إلى إرادات فاعلة ينطق بها - مجرد نطق - نصف الإله الظاهر تحت الأضواء!
وليس هذا ما أقصده.. وإلا وقعت بدورى فى فخ نظرية المؤامرة فى التاريخ والفارق الوحيد الذى يبقى بينى وبين أصحابها هو أنهم تصوروا وجود حكومة خفية فى الظلام، وأما أنا فقد تصورت وجود كاردينال خفى وراء الستار !
والحقيقة فيما أظن أسهل من هذه التصورات جميعاً، وأقرب إلى المقبول والمعقول.
والمقبول والمعقول أن القوة الحقيقية فى أى مجتمع هى للذين يملكون المصالح الحقيقية فيه، ولما كان تركيز المصالح فى الولايات المتحدة شديداً، ثم إن التداخل بين هذه المصالح المركزية فى الولايات المتحدة عميق بسبب طبيعة التركيبة الأمريكية وظروفها الخاصة - إذن فإن بعض مواقع القوة تصبح لها سلطة نافذة يصعب تحديد مجالها كما يستحيل حصره.
وإذا كنت قد وصفت "دافيد روكفلر" قبل قليل بأنه "بابا البنوك الأمريكية"، ثم بأنه "أمير نيويورك بلا منازع" ثم بأنه "رئيس حكومة الظل" التى تشارك بالتوجيه من نيويورك فى مقابل حكومة السلطة التى تشرف على التشريع والتنفيذ من واشنطن - فإن تلك الأوصاف فى حقيقتها هى محاولة بناء موقف أو وضع حجر يقوم فوق حجر وطابق يرتفع على طابق تحته.
... بسبب سيطرة أسرته على أكبر البنوك فى أمريكا "تشيز مانهاتن" و"ناشيونال سيتى" وعشرات غيرهما - فإنه أصبح "بابا" البنوك بالحق الطبيعى.
ولأنه أصبح "بابا" البنوك وأكبرها مركز فى نيويورك "العاصمة المالية للولايات المتحدة فى مقابل واشنطن عاصمتها السياسية" - فإنه أصبح "أمير" نيويورك بواقع الأمر.
وبحقائق القوة المترتبة على ملكية المصالح المالية العظمى (فى أغنى مجتمع عرفه العالم) - فإن العاصمة السياسية لم يكن لها أن تتصرف بمفردها فى القرار الأمريكى ولا كانت قادرة على ذلك أو مستعدة حتى لمحاولته!
والنتيجة - مقبولة ومعقولة ولا تحتاج إلى نظرية تآمرية - هى أن "دافيد روكفلر" بموقعه أو موضعه على قمة تركيبة قوة اقتصادية ومالية هائلة - له صوت مؤثر فى القرار السياسى الأمريكى ضمن أصوات أخرى بالطبع بحكم تعددية المجتمع الأمريكى وحيويته.
وعلى مائدة غداء مع "دافيد روكفلر" - يوم 18 أكتوبر 1975 - فى إحدى قاعات الطعام المخصصة له فى الطابق الأربعين من مبنى بنك "تشيز مانهاتن" - سألته صراحة عن العلاقة بين المال والسياسة وكان رده ببساطة "أنهما وجهان لعملة واحدة".
وقلت له: "إننى رأيت شخصك فى بعض أزماتنا وأزمات غيرنا الكبرى، وفى بعض الآخر لمحت ظلك". ثم عددت له بعض ما رأيته ولمحته فيه من مناسبات وظروف!
وكان رد "دافيد روكفلر"، وبابتسامة هادئة، هو قوله:
"هل تسمح لى أن أقول لك ما هى القاعدة الذهبية فى عمل البنوك؟".
ثم أجاب على سؤاله".
"الصمت"!
واستطرد: "كان أول درس تعلمناه فى جو الأسرة أن أكبر قدر من النجاح يرتبط بأقل قدر من الكلام، كلما تكلمنا أكثر كشفنا من مواقعنا أوسع وكلما كشفنا من مواقعنا ضاقت أمامنا مساحة الحركة وحرية التصرف.
ميدان المال فيه كثير من ميدان الحرب خصوصاً بالنسبة للسرية والمفاجأة وسرعة الحركة بالفعل أو برد الفعل".
وقلت لـ "دافيد روكفلر" ما معناه أن ذلك "الجو" الذى يحيط به - وبغيره من أقرانه - يثير سـحباً كثيفة من الشكوك والريب تصل أحياناً إلى درجة سوء الظن وحتى الكراهية - وكان ردة مختصراً: "إن الكلمات لا تقتل أحداً".
وحين قلت له إن كلامه يذكرنى بمثل مأثور فى الأدب العربى يقول "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب". ارتفعت درجة حماسته ومد يده إلى ورقة وقلم وكتب ترجمة القول العربى المأثور قائلاً لى: "إنه سوف يطـلب من سكرتاريته أن يحفروه على لوحة صغيرة من الفضة يضعها على مكتبه"!
...............
ومع ذلك فإن "دافيد روكفلر" ليس على الدوام نسخة من صمت "أبو الهول". يتكلم أحياناً ويتكلم كثيراً لكن القول كله بحساب. يقول بقدر ما يريد وليس بقدر ما يطلب سامعه.
وفى ذلك اللقاء بيننا يوم 18 أكتوبر 1975 سألنى بعد الغداء وأمامنا القهوة:
- "لماذا تعارض "السادات"؟ إنك عارضته فى فك الاشتباك الأول مع إسرائيل ثم عارضته فى فك الاشتباك الثانى (كان اتفاق فك الاشتباك الثانى قد جرى توقيعه قبل لقائنا بأسابيع قليلة وكان ما دار حوله ما زال ماثلاً فى الأذهان).
وقلت لـ "دافيد روكفلر": "إننى أعرف أنك واحد من الذين شجعوه ("السادات") على هذه السياسات التى ينتهجها وأخشى أنها ستؤدى بالمنطقة كلها إلى كارثة".
وانزاح قناع الصمت الذى يغطى ملامح "دافيد روكفلر" ويجمد تقاطيعها أحياناً. وكانت مرة من مرات قلائل وجدته فيها متحمساً - ولا أقول منفعلاً.
قال: "هل تتصور أننى أقنعته بسياسات معينة؟ أنا لم أفعل ذلك وهو ليس من اختصاصى؟
ما حدث كما يلى:
كنت فى زيارة له مرة وراح يحدثنى عن آماله فى رخاء الشعب المصرى، وجرنا الحديث إلى الدور الذى يمكن أن تقوم به الاستثمارات الأمريكية فى تنمية مصر. وأوضحت له أن رأس المال الأمريكى لن يذهب إلى مصر فى أجواء حرب. لأن رأس المال الأمريكى - وأى رأسمال آخر - لا يستطيع أن يعمل إلا فى أجواء السلام.
اصنع لنا السلام ونحن نصنع لك الرخاء.
إن الرجل اقتنع، لم يقنعه كلامى فقط ولكن منطق الأمور نفسها أقنعه!"
وسكت "دافيد روكفلر" ولم أشأ أن أتركه يغرق فى بحار الصمت مرة أخرى وهكذا سألته على الفور:
- "هل تستطيع أن تضمن له استثمارات أمريكية مؤثرة فى مصر؟"
وتردد لحظة ثم تساءل وكأنه يفكر بصوت عال ويتحدث مع نفسه وليس معى:
- "استثمارات أمريكية فى مصر؟ لا أظن!
رأس المال الأمريكى لن يذهب إليكم وهذا فى مصلحتكم على أى حال.
لماذا؟
لأنكم ببساطة لا تستطيعون أن تتحملوا مطالب رأس المال الأمريكى فى هذه المرحلة.
دعنا نواجه الأمور ببساطة.
عندما يخرج رأس المال من بلاده ويرتحل فهو يفعل ذلك لأنه يطلب نسبة لا يستطيع تحقيقها فى بلاده. نسبة الفائدة فى السوق الآن ما بين 15 و16 فى المائة. هى كذلك فى أمريكا فإذا خرج رأس المال خارج بلاده فلابد أنه يريد على الأقل 30 أو 35 فى المائة.
وعندما يكون خروج رأس المال إلى مناطق قتل وتوتر سياسى فلابد أن تكون لمخاطرته فيها ثمن.
وإذا نظرنا الواقع كما هو فإنكم فى الشرق الأوسط عموماً منطقة قلق وتوتر سياسى حتى إذا وقعتم مائة اتفاقية مع إسرائيل. ببساطة أنت وأنا متفقان على أن السلام لن يجىء بهذه التوقيعات على أوراق وإنما السلام عملية طويلة وتعود وممارسة وتبادل مصالح - تطبيع كامل وهذا يحتاج وقتاً.
وإذن فارتحال رأس مال أمريكى إلى مصر سوف يكون محكوماً بعنصرين فى نفس الوقت:
الارتحال نفسه أولاً - وهذا له ثمن.
وجو القلق والتوتر - وهذا أيضاً له ثمن.
ما هو معنى ذلك؟ معناه أن أى رأسمال أمريكى فى مصر لابد أن يرسم حساباته - إذا ذهب إليها - على أساس نسبة ربح سنوى تتراوح ما بين 50 و60 فى المائة - فهل تستطيع مصر فى ظروفها الراهنة أن تعطى أحداً هذه النسبة من الربح؟ لا أظن. ثم إن كثيرين سوف يصرخون "الذئب.... الذئب" شاعرين بأن هناك استغلالاً أجنبياً لبلادهم وهى مشاعر أستطيع أن أفهمها رغم أننى رأسمالى.
هناك بعد ذلك شىء آخر:
إن هذه النسبة من الربح لا يمكن أن تتحقق إلا فى مجالات محددة أولها مجال الموارد الطبيعية، بترول مثلاً أو نحاس أو ماس أو ما شابه ذلك، وأنتم فى مصر لا تملكون مثل هذه الموارد - أليس هذا صحيحاً؟"
لم أكن أريد أن أقاطع "دافيد روكفلر" - أما وقد توقف عن حديثه ووجه إلى سؤالاً فقد قلت له:
- "إذن فهل أستطيع أن أسألك بدورى عن الأساس الذى تصورته لرخاء الشعب المصرى وأنت تتحدث معه (مع "السادات")؟"
ورد "دافيد روكفلر":
- "تذكر أنه صديقى وأنا لا أخدعه. بالطبع كانت لدى صيغة وما زالت لدى هذه الصيغة وأظنها صالحة:
معادلة من ثلاث عناصر لابد لنا أن نجمع بينها: رأسمال عربى + يد عاملة مصرية + تكنولوجيا أمريكية".
وقلت: "المشكلة أن هذه المعادلة قد تبدو صالحة نظرياً لكنها عند أول اختبار مع الحقيقة لا تستقيم عملياً.
أولاً: إنك تتحدث عن رأسمال عربى كطرف من أطراف المعادلة. والطريق الذى تسير فيه الأمور الآن فى مصر سوف يؤدى بها إلى صلح منفرد مع إسرائيل، وإذا وصلت إلى هذه النقطة فإنها سوف تجد نفسها فى عزلة عن العالم العربى كله - وهكذا فإن رأس المال العربى لن يجىء. وإذا جاء فسوف يكون مجيئه على استحياء وبدوافع المغامرة وليس بضرورات الاستثمار.
وثانياً: فإنك تتحدث عن "تكنولوجيا أمريكية" - وإذا كان رأس المال عربياً وإذا كانت الأيدى العاملة مصرية وإذا كانت كل مساهمتكم هى التكنولوجيا - فى العلوم أو فى الإدارة - إذن فلماذا نحصر أنفسنا فى نطاق التكنولوجيا الأمريكية التى قد تكون غالية الثمن علينا. لماذا نستبعد التكنولوجيا الألمانية أو الفرنسية أو اليابانية؟ لماذا الأمريكية فقط؟ ".
وفكر "دافيد روكفلر" فيما قلته ثوانى ثم سألنى: "هل تريد أن تقول لى إن بقية العالم العربى لن يتبع مصر فى التوقيع على معاهدة مع إسرائيل؟ أليست مصر هى زعيمة العالم العربى وقيادته؟".
وقلت: "إن مصر تقود العالم العربى بمقدار ما تعبر عنه، وتتزعمه بمقدار ما تمثل طموحاته. فإذا توقفت عن التعبير والتمثيل أصبحت مجرد واحدة من دول المنطقة.
ليس هناك قانون يعطى مصر الحق فى "رئاسة" العالم العربى... ليست لها مثل هذه الولاية عليه.
هناك أسباب معينة إنسانية وحضارية وسياسية أعطت لمصر دوراً معيناً فى المنطقة فإذا توقفت عن أداء هذا الدور لم يعد لأى سلطة فيها إلا ما تستطيع فرضه داخل حدودها. لكنها لا تستطيع أن تفرضه على الباقين. وحتى هذا الذى تستطيع أى سلطة فى مصر أن تفرضه داخل حدودها مرهون بأجل ومعلق بوعد. فإذا لم يستطيع القرار أن يفى بأجله أو بوعده سقط حتى فى مصر ذاتها مهما كان جبروت السلطة التى فرضته!"
وبدا كأن "دافيد روكفلر" استعاد بسرعة كل أقنعة الصمت:
راح يصب لنفسه فنجان قهوة جديد ثم يرشف منه على مهل ثم قال:
- "ولكن ما ذكرته خطير...."

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat