Games
|
Members
|
Ads
|
Blogs
|
Photos
|
Videos
|
Music
|
Groups
|
Events
|
Polls
|
Forums
|
Articles
|
Boards
|
chat
|
Articles
Articles
في العشرين من كانون الثاني 2009 يغادر الغير مأسوف على غيابه، الرئيس بوش، ليحل محله في البيت الأبيض ويتسلم زمام الأمور في الولايات المتحدة الأميريكية الرئيس الثالث والأربعين باراك اوباما.
ولعله من المفيد أن نعرف مساحة الحرية التي يتمتع بها أي رئيس أمريكي في إتخاذ القرار حتى نحدد ما يمكن أن يقدمه لنا وللعالم أي قادم الى البيت الأبيض وهو اليوم باراك أوباما.
وقد اخترت أن أنشر هذا المقال للأستاذ محمد حسنين هيكل كتبه في 28/4/1985، أي منذ 23 عاما ، في صحيفة الأهرام ضمن سلسلة مقالاته الشهيرة (بصراحة). عنوان المقال "القرار الأمريكي ... ومن يملكه).
ونظرا لطول المقال، فإنني سأقوم بنشره على حلقات آملة أن تتم به الفائدة المرجوة.
شهناز أبو حجله
القرار الأمريكى.. ومن يملكه؟ - الجزء الأول
محمد حسنين هيكل
فى نظام عملى ثلاث رحلات أحرص عليها دائماً وفى مواعيدها:
فأنا أحاول أن أذهب إلى أوروبا مرة على الأقل كل سنة، خصوصاً لندن وباريس، فكلتاهما لا تزال عاصمة إمبراطورية برغم أن الإمبراطورية نفسها ذابت وتلاشت. أى أن المجد الإمبراطورى الفكرى والثقافى والحضارى عموماً لا زال موجوداً فى العاصمتين - لكن عجرفة الإمبراطورة وقوتها وحماقتها لم تعد هناك. وهكذا فإن أى مراقب يستطيع أن يتابع دون أن تتحمل أعصابه تكاليف وأعباء ما يراه ويسمعه.
وأنا أحاول - ثانياً - أن أذهب إلى آسيا - أو أفريقيا - مرة كل عامين عن تصور بأن نقطة الارتكاز فى سياسات العالم تنتقل تدريجياً إلى الشرق. كانت عند قناة السويس أمس، وهى الآن قرب الخليج العربى، وهى غداً هنا حول المحيط الهادى. فحول هذا المحيط فى وقت ليس ببعيد سوف تتقابل أربع قوى عظمى بكتلتها البشرية وطاقاتها الإنتاجية وإمكانياتها التنظيمية والعلمية والتكنولوجية، وهى الولايات المتحدة - بشواطئها الغربية المطلة على هذا المحيط من ناحية - والاتحاد السوفيتى واليابان والصين، وكلها تطل على شطآنه الآسيوية من الناحية الثانية. ثم إن أفريقيا سوف تظل لسنوات طويلة بؤرة صراعات خفية وظاهرة..... ساخنة وباردة.
وأنا أحاول - ثالثاً - أن أذهب إلى الولايات المتحدة مرة كل ثلاثة أعوام. فالولايات المتحدة هى المحرك الأكبر لعالمنا كما هو اليوم، وكما سوف يكون فى المائة سنة القادمة - إلا إذا حدث ما ليس فى الحسبان وهو مستبعد. وربما كان يجب أن أذهب - والأمر كذلك - إلى الولايات المتحدة أكثر من مرة كل ثلاث سنوات، لكنى أعترف أن الرحلة إلى الولايات المتحدة مرهقة للأعصاب، فهى إمبراطورية جديدة، وعجرفتها وقوتها وحماقتها ما تزال فى ريعان الشباب. ومهما كان من أهمية ما يستطيع أى مراقب أن يراه ويسمعه هناك، فإن تكاليفه وأعباءه العصبية مرهقة وفادحة أيضاً إذا كان الزائر المراقب مهتماً بأحوال العالم العربى، وإذا كان هذا العالم العربى يمر بمرحلة تضاءلت فيه قدرته على التأثير وتلاشت مقدرته على الفعل!
وحين أشرع فى وضع برنامج رحلتى إلى الولايات المتحدة - مرة كل ثلاث سنوات - فإنى أضع دائماً على رأس قائمة من أريد مقابلتهم هناك اسماً لم يتغير ولم يتزحزح من مكانه على قائمتى فى الثلاثين سنة الأخيرة وهو اسم "دافيد روكفلر".
ولا أستطيع أن أقول أن "دافيد روكفلر" صديق حميم، ولكنى أستطيع أن أقول أنه صديق قديم، فلقد تقابلنا أكثر من عشر مرات بين نيويورك وواشنطن والقاهرة - ومرة واحدة فى لندن، لكنها جميعاً كانت مقابلات عمل. ومناقشات حول قضايا أو أحداث، أسأله فيها أو يسألنى، وأسمع له أو يسمعنى، ثم يذهب كل منا فى سبيله. كأننا بواخر تعمل على خطوط ملاحية محددة فى البحار الواسعة.. تتقاطع طرقها فى بعض الأحيان فتلتقى فى الموانئ أو على صفحات الموج ثم تواصل كل منها رحلتها المرسومة.. حتى تتقاطع الطرق من جديد!
ولقد جرت معظم مقابلاتنا فى مكتبة فى الطابق الخامس والثلاثين من مبنى بنك "تشيز مانهاتن" الذى تملكه أسرة "روكفلر" وهو يقع وسط "وول ستريت" حى المال والأعمال فى نيويورك - وكانت مراسم هذه اللقاءات تتم وفق بروتوكول لا تتبدل قواعده تقريباً.
.... أذهب إلى مبنى "تشير مانهاتن" فأجد إحدى سكرتيرات "دافيد" فى انتظارى وأدخل معها إلى المصعد الذى لا يتوقف إلا فى الطابق الخامس والثلاثين، وأخرج لأجد رئيسة سكرتيراته تنتظرنى، وأمشى معها إلى مكتبه ويكون هو فى انتظارى على مدخله.
ويختلف مكتب "دافيد روكفلر" عن أى مكتب آخر رأيته، فهو يحتل قلب الطابق الخامس والثلاثين من مبنى البنك. يحتل قلب المبنى كله بما فيه صندوق الخرسانة المسلحة الذى يدور حول المصاعد، وهو يشكل فى وسط المكتب كتلة ضخمة هى نقطة الارتكاز التى تحيط بها بقية المكتب، وهى دائرة عريضة لا تقل مساحتها عن ثلاثمائة متر مربع. وفى نقطة وسط هذه الدائرة العريضة مائدة قديمة من الطراز الإنجليزى للقرن السابع عشر وراءها مقعد واحد لصاحب المكتب، ومقعد فى مواجهته لزائره، ثم مائدة صغيرة من نفس العصر والطراز عليها جهاز تليفون واحد، وهذا كل ما فى قاعة المكتب من أثاث. والأثاث فى كل الأحوال لا يخطف البصر، ولكن الذى يخطف البصر أو بالأحرى يبعثره أن القاعة الدائرية كلها أشبه ما تكون بمتحف نفيس.
الجدران كلها مجموعات من لوحات تتغير كل سنة. فهى فى إحدى السنين لروائع الفن الإيطالى، وهى فى سنة تالية لروائع الفن الفرنسى، وهى فى ثالثة لروائع الفن الأسبانى... وهكذا.
وتحت مستوى مجموعات اللوحات توجد موائد - أو رفوف بمعنى أصح - تدور مع القاعة حيث تدور وهى أيضاً لروائع من فنون النحت تتغير بدورها كل سنة، ولقد رأيتها مرة من أقنعة أفريقية، ورأيتها مرة أخرى من النحت المكسيكى.
وفى أول مرة دخلت فيها إلى مكتب "دافيد روكفلر" لمحت من نافذة بجوار المكتب ذاته تمثال الحرية ينتصب على قاعدته من بعيد أمامنا، وشدنى منظره المهيب عن كل ما كان يتجاذب بصرى قبله على الجدران، أو الموائد، والرفوف من الروائع، وقال لى "دافيد":
"لك الحق هذه هى اللوحة التى تستحق التأمل ". ثم أضاف: "إن التمثال يتوجه ببصره ويشير إلى أوروبا وقد كتبوا تحته "أعطونى كل من عندكم من المضطهدين فى الأرض والمظلومين والمتعبين". ولقد استجابوا لنداء الحرية وجاءوا، ولكنهم فى هذه الأرض لم يعودوا مضطهدين ولا مظلومين ولا متعبين".
وقلت له: "لعلى لا أضايقك إن صارحتك بأننا نشعر أحياناً أنهم فى هذه الأرض انقلبوا من النقيض إلى النقيض: بدورهم أصبحوا يضطهدون، ويظلمون ويتعبون سواهم".
وابتسم قائلاً: "هذا يتوقف على الموقع الذى تنظر منه إليهم".
وطبقاً للبروتوكول فإن الحديث بيننا وحدنا لقرابة الساعة ثم تجىء كبيرة سكرتيراته تدعونا وتتقدمنا إلى الطابق الأربعين حيث قاعات الاستقبال المخصصة له، وندخل واحدة صغيرة منها يكون فى انتظارنا فيها أحد كبار مساعديه، ويستمر الحديث على مائدة الغذاء، ثم نعود سوياً إلى مكتبه مرة أخرى، فنجان قهوة على انفراد.
وأتذكر أننى استأذنته مرة فى أن أغسل يدى بعد الغداء وذهبت إلى حمام مكتبه وفوجئت بأن وجدت جدران الحمام مغطاة بمجموعة اسكتشات بتوقيع "بيكاسو" وقدرت أن قيمة مجموعة الاسكتشات لا يمكن أن تقل عن ما بين ثلاثة إلى خمسة ملايين دولار فى الحمام، وقدرت أن مجموعة المكتب كلها، لا يمكن أن تقل قيمتها عن مائة مليون دولار.
لكن الغنى الأسطورى لأسرة "روكفلر" لم يكن هو الذى يثير اهتمامى بـ "دافيد روكفلر" وإنما كان المثير دائماً هو "دوره" أو "أدواره".
والواقـع أن "دافيد روكفلر" فى الثلاثين سنة الماضية، وحتى الآن كان ثلاثة "أدوار" فى رجل: هو "بابا" البنوك الأمريكية كلها، ثم هو "أمير" نيويورك بغير منازع، ثم هو أخيراً ما يمكن أن نسميه مجازاً: رئيس حكومة الظل التى تشارك بالتوجيه من نيويورك فى مقابل حكومة السلطة التى تشرف على التشريع والتنفيذ من واشنطن!
باختصار هو واحد من أهم أقطاب النخبة المهيمنة فى الولايات المتحدة.
ويثور دائماً سؤال عن: من الذى يحكم فى الولايات المتحدة؟ ومن الذى يوجه ويناقش الخيارات ويقرر فى سياسة هذا البلد الذى بلغ من القوة مبلغاً لم يسبق له مثيل فى التاريخ أو قرين فى العصر وبالذات فى مجال السياسة الخارجية والأمن القومى؟ فهذا هو الذى يعنينا ويعنى غيرنا فى العالم "القـرار الأمريكى الداخلى قضية أخرى وهى ليست شاغلى الآن ولا هى مدار اهتمامى فى هذا الحديث!".
ولقد كان هذا السؤال مطروحاً والناس يرون الرؤساء الجالسين فى البيت الأبيض وتعتريهم الدهشة مما يرون.
هل يملك القرار الأمريكى فعلاً هؤلاء الذين يتعاقبون على الجلوس فى المكتب البيضاوى فى البيت الأبيض؟:
.. "ليندون جونسون" مثلاً الذى يخلع جاكيته ويرفع قميصه وملابسة الداخلية لكى يتمكن الصحفيون والمصورون من رؤية أثر جرح لعملية أزالوا بها مرارته...؟
... أو "ريتشارد نيكسون" الذى ظهر على حقيقته من تسجيلاته لنفسه فيما عرف باسم فضيحة "ووترجيت" ومن خلالها ظهر الرئيس الأمريكى بما لا يفرقه فى كثير أوقليل عن واحد من أعضاء عصابة الـ "مافيا"...؟
... أو "جيرالد فورد" الذى كان "جونسون" يصفه بقوله: "أن جيرى (تصغير "جيرالد") لا يستطيع أن يفعل شيئين فى نفس الوقت، لا يستطيع أن يمضغ لباناً، ويلعب كرة!" ثم يقول عنه فى مرة أخرى:"إن "جيرى" المسكين لعب الكرة الأمريكية بدون غطاء رأس معدنى يحميها وارتج مخه ولا يزال مرتجاً"...؟
... أو "جيمى كارتر" الذى لم يكن أحد يعرفه لدرجة أن الرأى العام الأمريكى ظل طوال سنوات ترشيحه وبداية رئاسته يعرفه بتعبير "جيمى... من؟".
ثم استحكمت الدهشة مع دخول "رونالد ريجان" باكتساح إلى المكتب البيضاوى الشهير فى البيت الأبيض.
كان تساؤل الرأى العام فى العالم - وخصوصاً العالم العربى - وهم يذكرون ماضى ريجان كممثل من الدرجة الثانية فى هوليوود: "ما الذى يعرفه هذا الرجل ليمسك بقرار السياسة الخارجية والأمن القومى فى هذا البلد؟ وهل يعقل أن تكون قرب أصابعه أزرار الحرب التى تحول الكرة الأرضية فى لحظات إلى رماد وركام؟ هل يعقل أن يستطيع مثل هذا الرجل وبمحصول تجاربه السابقة أن يحكم ويفصل فى قضايا تقرر مصير السلام العالمى، والاقتصاد الدولى. وبؤر التوتر العالمية؟!
ثم هم يرون رجـلاً يحفظ سطوره قبل أن يلقيها، وينام أثناء المفاوضات مع غيره من الأقطاب، ويضحك طوال الوقت، وهو يؤكد لمن يسألونه أنه رغم خمس وسبعين سنة من العمر لا يصبغ شعر رأسه ولا يحتاج من يساعده ليتمطى صهوة جواده لأنه مولود بشباب دائم لا يشيب ولا يهرم .
وكان بعض الناس يتندرون قائلين "إن أمريكا بعد مآسى رؤسائها من منتصف الستينات حتى منتصف السبعينات لم تجد رئيساً يمثلها فجاءت بممثل محترف يمثل دور الرئيس" .
فى هذا كله نسى القائلون سؤالاً بديهياً:
"هل الرئيس الأمريكى هو الذى يقرر فى السياسة الخارجية والأمن القومى للولايات المتحدة الأمريكية.. أم أن هناك أطرافاً أخرى؟".
وتضاربت الآراء حول مصدر القرار الأمريكى وتصادمت النظريات!

Games
Members
Ads
Blogs
Photos
Videos
Music
Groups
Events
Polls
Forums
Articles
Boards
chat